هَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ فِي بَيَانِ سُنَنِ اللهِ الْعَامَّةِ فِي إِهْلَاكِ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ الَّذِينَ قَصَّ عَلَى رَسُولِهِ قِصَصَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ ، جَاءَتْ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِ عَاقِبَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنْذَارِ قَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ ، مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ آمَنَ وَتَابَ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ وَالصَّلَاحِ ، وَاجْتِنَابِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ ، قَالَ: - فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ -"لَوْلَا"تَحْضِيضِيَّةٌ بِمَعْنَى: هَلَّا ، وَالْقُرُونُ: الْأُمَمُ وَالْأَقْوَامُ ، وَالْقَرْنُ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ:"الْجِيلُ مِنَ النَّاسِ . قِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً ، وَقِيلَ: سَبْعُونَ"أَقُولُ: ثُمَّ اشْتُهِرَ تَقْدِيرُهُ بِمِائَةِ سَنَةٍ . وَالْبَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ مَا يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ ذَهَابِ أَكْثَرِهِ ، وَمِنَ النَّاسِ كَذَلِكَ ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْخِيَارِ وَالْأَصْلَحِ وَالْأَنْفَعِ ، قِيلَ: لِأَنَّ النَّاسَ يُنْفِقُونَ فِي الْعَادَةِ أَرْدَأَ مَا عِنْدَهُمْ وَأَقْرَبَهُ إِلَى التَّلَفِ وَالْفَسَادِ أَوَّلًا وَيَسْتَبْقُونَ الْأَجْوَدَ فَالْأَجْوَدَ ، وَنَقُولُ: لِأَنَّ الْأَحْيَاءَ يَهْلِكُ مِنْهُمْ الْأَضْعَفُ فَالْأَضْعَفُ أَوَّلًا وَيَبْقَى الْأَقْوَى فَالْأَقْوَى ، وَمِنْ هَذَا مَا يُعْرَفُ فِي عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ بِسُنَّةِ الِانْتِخَابِ الطَّبِيعِيِّ ، وَهُوَ إِفْضَاءُ تَنَازُعِ الْأَحْيَاءِ إِلَى بَقَاءِ الْأَمْثَلِ وَالْأَصْلَحِ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: - فَأَمَّا الزَّبَدُ