لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم مَنْ سيموت قبل أن تتحقق تلك الانتصارات ؛ لذلك وعدهم بالقَدْر المشترك الذي يتساوى فيه مَنْ يموت بعد إعلانه للإيمان ، وبين مَنْ سيعيش ليشهد تلك الانتصارات .
وهكذا تبينا كيف تضمَّنت الآية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وكيفية إعداد هذا الفؤاد لاستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه .
هذا هو الطرف الأول ، فماذا عن الطرف الثاني ؛ الطرف المكذِّب للرسول؟
كان ولا بد أن يتكلم الحق سبحانه هنا عن المكذِّبين للرسول ؛ لأن استدعاء المعاني يجعل النفس قابلة للسماع عن الطرف الآخر .
وما دام الحق سبحانه قد تكلم عن تثبيت وعاء الاستقبال ، والموعظة ، وتذكير المؤمنين ؛ لحظة أن تخور منهم العزائم ، فلا بُدَّ إذن أن يتكلم سبحانه عن القسم الآخر ؛ وهو القسم المكذِّب ، فيوضح سبحانه لرسوله أن له أن يتحداهم ولا يتهيَّب .
يقول الحق سبحانه: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا} .
أي: اصنعوا ما شئتم ، ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مستندٌ إلى رصيد قويّ من الإيمان بإلهٍ لا يهوله أن يستعد له الخصم ؛ فهو صلى الله عليه وسلم والذين معه لا يواجهون الخصم بذواتهم ؛ ولا بعدَدهم وعُددهم ؛ وإنما يواجهونه بالركن الركين الذي يستندون إليه ، وهو الحق سبحانه وتعالى .
ونحن نرى في حياتنا اليومية أن أي قائد في معركة إنما يشعر بالثقة حين يصل إلى علمه أن مدداً سوف يصله من الوطن الذي يحارب من أجله ؛ لأنه سيعزز من قوته ، فما بالنا بالمدد الذي يأتي ممن لا ينفد ما عنده ؛ وممن لا يُجير عليه أحدٌ ؛ فهو يُجير ولا يُجَار عليه .
ولذلك نلاحظ أن الأنبياء استظلوا بتلك المظلة ، فموسى عليه السلام حين كاد الفرعون أن يلحق به ؛ ورأى قومه أنْ لا نجاة لهم ؛ فالبحر أمامهم والعدو وراءهم ؛ صرخوا:
{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] .
لكن موسى عليه السلام يطمئنهم: