هذه معاني الإحسان ... وقد جمعها الله ليوسف - عليه السلام - فهو متصدق على المحتاج، ولو كان المحتاج مسيئاً إليه.
وكان يكثر الصيام - وهو على خزائن الأرض - فلما سئل عن ذلك قال: أخاف أن أشبع .. فأنسى الجائع.
وقد أحسن ضيافة إخوته مع ما كان منهم:
{أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} يوسف (59) .
وعندما رفعه الله على خزائن الأرض، كان مؤهله لهذا العمل الكبير ... الحفظ، والعلم.
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} يوسف (55)
ومنصب كهذا ... هل يحتاج لغير أمينٍ على ما تحت يده، عليم بشئوون إدارته؟
لقد استطاع يوسف أن يجنب البلاد بلاء محققاً، وقحطاً قاتلاً.
بل تجاوز عطاؤه مصر، إلى ما يجاورها من البلاد.
وقد جاء إخوته من الشام يبحثون عن الطعام في مصر بعد أن ذاع أمره في الأقطار.
فأمدهم وأغناهم.
وهذا هو الإحسان بمعنى إتقان العمل.
ونموذج آخر لإتقانه العمل ... !!
عندما جاء إخوته، ودخلوا عليه، عرفهم.
لكن عز المنصب، وطول مدة الفراق، وعدم خطور هذه الرفعة ليوسف ببالهم، وإتقانه لغة مصر القديمة، كل هذه العوامل جعلتهم ينكرونه:
{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} يوسف (58) وأي إنسان يدخل عليه
إخوته بعد غيبة طويلة يمكن أن ينهزم أمام العاطفة أو تتحرك جراحه القديمة.
ولكن يوسف ربط جأشه، وملك نفسه، وكتم مشاعره، وحفظ سره، حتى تمت خطته، وجمع أهله.
إن القرآن عندما يذكر هذا الأمر فإنه يربي الشخصية القيادية التي تصلح للأمور الكبيرة.
إن أضعف الناس من ينهزم أمام نفسه، ومن يضيق صدره بسره.
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
ولكن يوسف - عليه السلام - أتقن الخطة، وأجاد التنفيذ.
ويكاتم الأسرار حتى أنه ... ليصونها عن أن تمر بخاطره