والصحابة رضي الله عنهم لما قاموا بالدعوة إلى الله جاء في قلوبهم عظمة الخالق عزَّ وجلَّ، فزاد إيمانهم، وحسنت أعمالهم وتنوعت، وأطاعوا الله ورسوله، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة: 100] .
والناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب، وفي هذا تخويف وتحذير لمن سكت عن النهي عن المنكر .. فكيف بمن داهن؟ .. فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ فكيف بمن فعل؟.
والعقوبة معناها: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسميت بذلك لأنها تَعْقُب الذنب.
والعقوبة أنواع:
منها ما يتعلق بالدين وهي أشدها كأن تخف المعصية في نظر العاصي، أو يتهاون بترك الواجب.
ومنها العقوبة في النفس كالمرض .. والعقوبة بفقد الأهل والأولاد .. والعقوبة بفقد المال ونحو ذلك: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) } [المائدة: 49] .
وإذا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما،
وعدلوا إلى الأمراء وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم.
وأعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم فلم يروها منكراً، وجاءتهم دولة أخرى تقوم فيها البدع مقام السنن .. والنفس مقام العقل .. والهوى مكان الهدى .. والضلال مقام الرشد .. والمنكر مقام المعروف .. والجهل مكان العلم .. والباطل مقام الحق .. والرياء مقام الإخلاص .. والظلم مقام العدل .. والظلام مقام النور.
فحينذاك بطن الأرض خير من ظهرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
وما ضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلي بتضييع السنن، وما ضيع أحد سنة من السنن إلا يوشك أن يبتلي بالبدع.
والله عزيز حكيم عليم، إذا منع الناس الزكاة، وحرموا المساكين، حبس الله عنهم الغيث، وابتلاهم بالقحط.