واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنًّا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى، وكان في الوقت نفسه منّة يمنّها الله على الناس؛ ليستفيدُوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن والإقبال عليه قراءةً وسماعًا، وتدبرًا وعملًا، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفه نفسه. اقرأ إن شئت قوله سبحانه {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) } [الإسراء: 89] .
الوجه السادس: الإعجاز في وفاء اللفظ بالمعنى في القرآن.
وبيانه كما يلي:
1 -براعة اللفظ في المعنى البارع:
إنَّ المعاني التي تضمنها القرآن في أصل وضع الشريعة، والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.
وذلك أنه قد عُلم أن تخيّر الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس أسهلُ وأقربُ من تخيّر الألفاظ لمعانٍ مبتكرةٍ، وأسباب مؤسسةٍ مستحدثةٍ؛ فإذا برعَ اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور.
ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بانَ - ظهر - التفاضل في البراعة والفصاحة؛ ثم إذا وجدت الألفاظ وِفْقَ المعنى، والمعاني وِفْقَهَا لا يفضُل أحدهما على الآخر؛ فالبراعة أظهر، والفصاحة أتمّ.
2 -الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه وواسطة عقده:
فالكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته؛ بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديًا غامرًا سائر ما تقرن به كالدّرّة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد، وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غُرّة جميعه، وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله.
3 -عدم زيادة اللفظ على المعنى: عن طريق القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى.