ثم ذكر أصحاب الأَيكة وانتقامه منهم، ثم قال: (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ(79)
الإمام: الطريق، ويقال له: النَّبي.
قال الشاعر:
لأصبَحَ رتماً دُقاقَ الحَصَى ... مكانَ النَّبيّ من الكاتِبِ
والتأويل في هذه الآية على وجهين كما تقدم.
(فصل)
والغرض المقصود الأول في هذه السورة، والله أعلم الذكر والتذكير، فابتدأ
بقوله جلَّ قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ(1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) . إلى قوله: (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ(5) .
ثم سرد على ذلك قوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) .
ثُمَّ نظم بهذا جميع فصول السورة أو جلَّها: نظم بذلك قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) . جعل ذلك من آياته على رسالته، يقول: فهذا
ذكر لو كانوا يعقلون.
ثُمَّ كذلك إلى قوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ) ثم
أوعد بقوله: (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ(13) . يقول: كذلك (أي: كما
فعلنا بمن قبلهم من الأمم المهلكة أعرضوا عن الذكر لما جاءهم والرسول
والكتاب، فمنعناهم الفهم، وضربنا على قلوبهم وأغشينا أبصارهم وآذانهم فهم لا
يؤمنون.
ثم أتبع ذلك بما هو في معناه قوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
أي: إن الطبع على قلوبهم لعقوبة الإعراض يبلغ بهم إلى جحد المشاهدة
العظمى وإنكار الغرائب والعجائب.
ثم قال: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ(16)
البروج: القصور.
يقول جل من قائل: ولقد جعلنا في السماء قصورًا لو تبينوا الآيات وبما هي
آيات وعلى ما هي آيات لأبصروا بنور بصائرهم إلى أنها جنات حكمًا دون أن