وقيل: المراد بـ (اليقين) : تعذيب هؤلاء وأن ينزل بهم ما وعده. ولا ريب أنه من المتيقن، إلا أن إرادة الموت منه أولى، يدلُّ له قوله تعالى إخباراً عن أهل النار: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر: 43 - 47] . وما في الصحيح عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك أن الله أكرمه؟) فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير) .
تنبيه:
قال الحافظ ابن كثير: يستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} على أن العبادة، كالصلاة ونحوها، واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتاً، كما في صحيح البخاري عن عِمْرَان بن حصين رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) . ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين: المعرفة. فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل. فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم، أعلم الناس بالله، وأعرافهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثرهم مواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 10 صـ 363 - 365}