(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فكيف يقع الافتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رأس المؤمنين بها والداعين إلى الإيمان بها وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها فهم المفترون للكذب، قال الزجاج: المعنى إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين فقال (وأولئك) المتصفون بذلك (هم الكاذبون) أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، فهم الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات الله، وقولهم إنما يعلمه بشر والتأكيد بالتكرار وإن، وغيرهما ردا لقولهم إنما أنت مفتر.
(من كفر بالله من بعد إيمانه) أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعل كفر سواء كان مختاراً في ذلك أو مكرهاً عليه فالاستثناء في قوله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) متصل.
وقال القرطبي: أجمع المفسرون وأهل العلم على أن من أكره على الكفر
حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر.
وحكى عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتداً في الظاهر وفيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة.
وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل كما تقدم، والمعنى إلا من كفر بإكراه والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته.