التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه ، فتبديل الآية: رفعها بآية أخرى . والأكثرون: على أن المعنى نسخ آية من القرآن لفظاً أو حكماً بآية أخرى غيرها ؛ لحكمة باهرة أشير إليها بقوله: {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} من ناسخ قضت الحكمة أن يتبدل المنسوخ الأول به . وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين ، كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علمية ، وهي كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل إذا تنبه لها وجرى على نظامه الفطري . وذلك لاستعداد الإنسان وقتئذ ؛ لأن يخاطب عقله ويستصرخ فمه ولبه . فلم يؤت من قبل الخوارق الكونية ويدهش بها كما كان لمن سلف . فبدلت تلك بآية هو كتاب العلم والهدى من نَبِيٍ أُمِّيِّ لم يقرأ ولم يكتب . وكون الكتاب بيِّن الصدق قاطع البرهان ناصع البيان بالنسبة لمن أوتي ورزق الفهم . وهذا التأويل الثاني يرجحه على الأول ؛ أن السورة مكية ، وليس في المكي منسوخ بالمعنى الذي يريدونه . وللبحث تفصيل في موضع آخر . وقد أشرنا إلى ذلك في آيتين من سورة البقرة في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا} الخ [البقرة: 23] ، وقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] ، والمقصود أنه تعالى ، لما رحم العالمين وجعل القرآن مكان ما تقدم ، نسبوا الموحى إليه به إلى الافتراء ؛ رداً للحق ، وعناداً للهدى ، وتولياً للشيطان ، وتعبداً لوسوسته ، وما ذاك إلا لجهلهم المتناهي ، كما قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} واعتراض قوله: {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم .