فهرس الكتاب
والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] لأن ، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بُدَّ أن يكون له مألوهون ، وهم خَلْق مثله ، وهو يعتزّ بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال:
{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي} [الزخرف: 51] .
فأراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يرد عليه: ألَكَ شيء في خَلْق هؤلاء المألوهين لك؟
وما أشبهَ موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له: {رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] .
فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة ، فلجأ إلى حيلة المفلسين ، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا ؛ لذلك لما أحسَّ إبراهيم عليه السلام منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكاً .
{قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258] .
إذن: فالردُّ إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد ردُّه ، حتى فرعون ذاته لم يدَّعِ أنه خلق شيئاً ، إنما تجبّر وتكبّر وادّعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه ، ولم يخلق نفسه ، ولم يخلق الملْك الذي يعتز به .
ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع ، لم يكن لفرعون رَدٌّ عليه ؛ لذلك لما سمع هذه المسألةَ {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] لم يستطع أنْ ينقضَ هذا الدليل ، فأراد أنْ يُخرِج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى يهرب إليها ، مسألة فرعية لا قيمة لها: {قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى}