أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دَخْل القرون الأولى بما نتكلّم فيه؟ كلمة البال: هو الفكر ، نقول: خطر ببالي . أي: بفكري ، ولا يأتي في الفكر وبُؤْرة الشعور إلا الأمر المهم .
لكن ، سرعان ما أحسَّ موسى بمراوغة فرعون ، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسَدَّ عليه الباب .
{قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) }
فهذه المسألة ليست من اختصاصي ؛ لأن الذي يُسأل عن القرون الأولى هو الذي يُجازيها ، وينبغي أنْ يعلم حالها ، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر ؛ لِيُجازيها على ذلك ، إذن: هذا سؤال لا موضعَ له ، إنه مجرد هَزْل ومهاترة وهروب ، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله ؛ لأن سبحانه هو الذي سَيُجازيها .
ومعنى {فِي كِتَابٍ} [طه: 52] أي: سجّلها في كتاب ، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمراً ؛ ليمارسوا مهمتهم التي جعهلم الله لها ، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطّلع عليه ويعلم ما فيه ؛ لأنه سبحانه {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] .
ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق ، ولكن بصورة تفصيلية: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً}
مَهْداً: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحاً لمهمته ، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام ، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مَهْداً ؛ لأنك تُمهِّده له وتُسوّيه ، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مَهْده ويستريح .
ولا بُدَّ لك أنْ تقوم له بهذه المهمة ؛ لأنه يعيش بغريزتك أنت ، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور ، فيقوم بها بنفسه ؛ لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به .
فمعنى {جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} [طه: 53] أي: سوَّاها ومهَّدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها .