وليس معنى مهّدها جعلها مستوية ، إنما سوّاها لمهمتها ، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ووديان ، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها ، فتسويتها تقتضي إصلاحها للعيش عليها ، سواء بالاستواء أو التعرّج أو الارتفاع أو الانخفاض .
فمثلاً في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة ، أما في المناطق الجبلية فهي مُتعرّجة مُلتوية ؛ لأنها لا تكون إلا كذلك ، ولها ميزة في التوائها أنك لا تواجه الشمس لفترة طويلة ، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى .
وسبق أن ضربنا مثلاً بالخطّاف الذي نصنعه من الحديد ، فلو جعلناه مستقيماً ما أدَّى مهمته ، إذن: فاستقامته في كَوْنه مُعْوجاً فتقول: سويته ليؤدي مهمته ، ولو كان مستقيماً ما جذب الشيء المراد جَذْبه به .
إذن: نقول التسوية: جَعْل الشيء صالحاً لمهمته ، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج ، سواء أكان بالأمْت أو بالاستقامة .
ثم يقول تعالى: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [طه: 53] أي: طرقاً ممهدة تُوصّلكم إلى مهماتكم بسهولة .
سلك: بمعنى دخل ، وتأتي متعدية ، تقول: سلك فلان الطريق . وقال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] فالمخاطبون مَسْلوكون في سقر يعني: داخلون ، وقال: {اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص: 32] أي: أدْخِلْها .
فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه ، فقوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [طه: 53] متعدية للمدخول فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه ، فأنتم دخلتم ، والسُّبل مدخول فيه . إذن: المفعول مرة يكون المسلوك ، ومرة يكون المسلوك فيه .
وحينما تسير في الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قَدْر طاقة السير فيها ، فمنها الضيّق على قَدْر القدم للشخص الواحد ، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال المحمّلة أو السيارات ، فسلك لكم طرقاً مختلفة ومتنوعة على قَدْر المهمة التي تؤدونها .