فالمراد من الناس في الآية: المجادلون في البعث المنكرون له، والتعبير عن اعتقادهم فيه بالريب والشك مع أَنهم جازمون بعدم إِمكانه فضلا عن عدم وقوعه، للإِيذان بأَن أَقصى ما يحتمل صدوره ممن لم يشاهد البعث هو الشك في أَمره، وهذا يزيله البرهان التالى، أَما: ما هم عليه من الإِنكار الجازم المصحوب بالمكابرة والعناد، فخارج عن دائرة الاحتمال.
وخلقهم من تراب إِما في ضمن خلق أبيهم آدم، وإِما لأَنهم مخلوقون من النطف وأَصلها التراب، فإِنها ناشئة عن الغذاءِ الذي تغذى به الوالدان، والغذاءُ أَصله التراب.
والمراد من النطفة هنا: ماءُ الرجل والمرأَة مجتمعين، ففي ماءِ الرجل الحيوانات المنوية وفي ماءِ المرأَة البويضة فإِن الجنين يتولد من الماءَين، ولذا يشبه الولد أَبويه، فإِذا حصل اللقاءُ بين الرجل والمرأَة، التقى الماءان في القناة التي بين الرحم والمبيضين، فيحصل
فيها تلقيح البويضة بأَقوى الحيوانات المنوية إن أَراد الله خلق جنين من لقائهما - وبعد التلقيح تتكون الخلية الأُولى، وتنقسم بسرعة إِلى خليتين، ثم إِلى أَربع ثم إلى ثمان - وهكذا - وفي اليوم الرابع للتلقيح تكون قد وصلت في انقساماتها إلى مجموعة كثيرة من الخلايا متماسكة، فتنزلق إِلى الرحم، وبعد سبعة أَيام ونصف من التلقيح تقريبا تلتصق بجدار الرحم في قرار مكين وحولها غشاءٌ يقيها، ويكون الجنين حينئذ طبقة من الخلايا لا تمييز بينها.
وتظل الخلايا في نموها وتكاثرها وتطورها، وفي خلال الأسبوع الثالث يبدأُ التمييز لما تخلَّق منها.
فإِذا مضى أَربعون يوما من التلقيح، انتهى طور التحولات الأَولية للنطفة، وذلك هو الْمَعنِيُّ بالفقرة الأُولى من قوله: - صلى الله عليه وسلم: (إِن أَحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أَربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا ويؤْمر بأَربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأَجله وشقى أَو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... ) الحديث أَخرجه البخاري بسنده عن ابن مسعود.