فهرس الكتاب
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَهَدَاهُمْ رَبُّهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى طَرِيقِ الرَّبِّ الْحَمِيدِ، وَطَرِيقُهُ: دِينُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي شَرَعَهُ لِخَلْقِهِ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْلُكُوهُ.
وَالْحَمِيدُ: فَعِيلٌ، صُرِّفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ أَوْلِيَائِهِ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ صُرِّفَ مِنْ مَحْمُودٍ إِلَى حَمِيدٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ , وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ , وَأَنْكَرُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
يَقُولُ: وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، وَعَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ كَافَّةً , لَمْ يُخَصِّصْ مِنْهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}
يَقُولُ: مُعْتَدِلٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَضَاءِ نُسُكِهِ بِهِ، وَالنُّزُولِ فِيهِ حَيْثُ شَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ، وَهُوَ الْمُقِيمُ بِهِ , وَالْبَادِ: وَهُوَ الْمُنْتَابُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَهُوَ الْمُقِيمُ فِيهِ وَالْبَادِ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَحَقَّ بِالْمَنْزِلِ فِيهِ مِنَ الْآخَرِ.
عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، قَالَ:"كَانَ الْحُجَّاجُ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَحَقَّ بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا وَجَدَ سَعَةً نَزَلَ. فَفَشَا فِيهِمُ السَّرِقَةُ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَسْرِقُ مِنْ نَاحِيَتِهِ، فَاصْطَنَعَ رَجُلٌ بَابًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَتَّخَذْتَ بَابًا مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا جَعَلْتَهُ لِيُحْرِزَ مَتَاعَهُمْ. وَهُوَ قَوْلُهُ: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} قَالَ: الْبَادِ فِيهِ كَالْمُقِيمِ، لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَنْزِلِهِ مِنْ أَحَدٍ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ سَبَقَ إِلَى مَنْزِلٍ."