الثالث: أنه قدر فيها السير بأن جعل ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً ، قاله ابن قتيبة.
{سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماًءَامِنِينَ} فيه قولان:
أحدهما: من الجوع والظمأ ، قاله قتادة. حتى أن المرأة تمشي وعلى رأسها مكتل فيمتلئ من الثمر.
الثاني: آمنين من الخوف قاله يحيى بن سلام ، كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضاً ، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحركه.
قوله عز وجل: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَرِنَا} قرأ أبو عمرو ، وابن كثير {بَعِّد} بغير ألف وبتشديد العين ، وقرأ الباقون {بَاعِدْ} بألف وبتخفيف العين وفيهما ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنهم قالوا ذلك لأنهم ملّوا النعم كما ملَّ بنو إسرائيل المن والسلوى ، قاله الحسن.
الثاني: أنهم قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي كانت أشهى في النفوس وأحلى ، قاله ابن عيسى ، وهو قريب من الأول لأنه بطر. فصار نوعاً من الملل.
الثالث: معناه زد في عمارتنا حتى تبعد فيه أسفارنا ، حكاه النقاش. وهذا القول منهم طلباً للزيادة والكثرة.
وقرأ بعض القراء {بَعُد} بضم العين وتخفيفها ، وهذا القول منهم شكوى لبعد سفرهم وتمني قصره.
{وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: ظلموها بقولهم باعد بين أسفارنا ، قاله بن زيد.
الثاني: بتكذيب الرسل وهم ثلاثة عشر نبياً. قال الكلبي: أنهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا وهم مكذبون: وقد كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض فكيف اليوم وأرضنا خراب شر أرض.
الثالث: أنهم ظلموا أنفسهم بالتغيير والتبديل بعد أن كانوا مسلمين ، قاله الحسن.
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي يتحدث الناس بما كانوا فيه من نعيم وما صارواْ إليه من هلاك ، حتى ضرب المثل فقيل: تفرقوا أيدي سبأ ، ومنه قول الشاعر:
باد قوم عصف الدهر بهم... فرقوا عن صرفه أيدي سبأ
{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} فيه قولان