أتيع ذلك قوله: (يُسْحَبُونَ(71) فِي الْحَمِيمِ ... (72) . قيل: هو النحاس
المذاب، بل هو أشد حرًّا من الحميم بتسعة وستين ضعفًا، وزاد عليه بزهمه ونتنه،
فإذا سحبوا فيه انسلخوا من جلودهم، وبعد ذلك يقذفون في النار الحامية فيصيرون
وقودًا وسعلا، نعوذ بالله من أحوال أهل أشار في الدنيا وفي الآخرة.
يقال لهم: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ(73) مِنْ دُونِ اللَّهِ ... (74) . لِمَ لا
ينصرونكم مما أنتم فيه فيقولون: (ضَلُّوا عَنَّا) ثم يقولون(بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ
قَبْلُ شَيْئًا)يعاد عليهم ضلالهم الذي كان ضلالاً عن الهدى يكون فيما
هنالك ضلالاً عن ضلالهم الذي اهتدوا إليه، فيما هنا حكمة بالغة وأمر عظيم،
سبحان القاهر فوق عباده، يسمعهم على تلك الحال وينطقهم، فيجعل لهم علمًا
يعلمون به علم ما هم فيه، لا يجعل لهم من ذلك إلا ما يضرهم ولا ينفعهم وما
يزيد في ندمهم، وما يؤكد حزنهم ويضاعف آلامهم وخزيهم، ويتحققون من أجل
ذلك لعن أنفسهم ولعن بعضهم بعضًا.
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ...(77) أي: من نصرك
وإظهار أمرك ومجازاتهم (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) . أي: من جزائهم
وعذابهم بالقتل والسبي والجلاء والنصر عليهم والظفر بهم(أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا
يُرْجَعُونَ)أي: إلى ما وصفناه لك من مصيرهم، فقد أراه - جلَّ جلالُه - من ذلك
ما شاء، وأعزه وأعز دينه وأظهره، ثم توفاه فبشر صحابته وتابعيهم - رضي الله عنهم - إلى تمام
بعض ما وعده به من ذلك، ونحن الآن في انتظار إظهار دينه القويم على الدين كله
ولو كره الكافرون.
نظم إلى ذلك ما يعزيه به عن توجعه لقبيح قولهم وباطل جدالهم وكثرة صدهم عن سبيل اللَّه بقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (78) .
يقول - جل من قائل: وإنما هو البلاغ وقد بلغت (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ(54)