ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه قال تعالى: {قليلاً ما يتذكرون} أي: يتعظ المجادلون وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون ، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد.
تنبيه: التقابل يأتي على ثلاث طرق ؛ إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: {مثل الفريقين} كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور} (فاطر: -)
كل ذلك تفنن في البلاغة ، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم ، أو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ، والباقون بياء الغيبة نظراً لقوله تعالى: {إن الذين يجادلون} وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب.
ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها فقال تعالى:
{إن الساعة} أي: القيامة التي يجادل فيها المجادلون {لآتية} أي: للحكم بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم {لا ريب} أي: لا شك {فيها} أي: في إتيانها.
ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بها وما ذاك إلا لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس.