فهرس الكتاب
والوحي: الكلام الخفي ، ويطلق الوحي على حصول المعرفة في نفس من يراد حصولها عنده دون قولٍ ، ومنه قوله تعالى حكاية عن زكرياء {فأوحى إليهم} [مريم: 11] أي أومأ إليهم بما يدل على معنى: سَبحوا بُكرة وعشياً.
وقول أبي دُؤاد:
يَرمُون بالخُطب الطِّوالِ وتارةً
وَحْيَ الملاَحظ خيفةَ الرُّقَباء...
ثم يتوسع فيه فيطلق على إلهام الله تعالى المخلوقات لما تتطلبه مما فيه صلاحها كقوله: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً} [النحل: 68] أي جَبَلها على إدراك ذلك وتطلّبه ، ويطلق على تسخير الله تعالى بعض مخلوقاته لقبول أثر قدرته كقوله: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة: 1] إلى قوله: {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 5] .
والوحي في السماء يقع على جميع هذه المعاني من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازاته ، فهو أوحى في السماوات بتقادير نُظُم جاذبيتها ، وتقادير سير كواكبها ، وأوحى فيها بخلق الملائكة فيها ، وأوحى إلى الملائكة بما يتلقونه من الأمر بما يعملون ، قال تعالى: {وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27] وقال: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20] .
و {أمرها} بمعنى شأنها ، وهو يصدق بكل ما هو من ملابساتها من سكانها وكواكبها وتماسك جرمها والجاذبية بينها وبين ما يجاورها.
وذلك مقابل قوله في خلق الأرض {وجعَلَ فِيهَا رواسي مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أقواتها} [فصلت: 10] .
وانتصب أمرها على نزع الخافض ، أي بأمرها أو على تضمين أَوحَى معنى قدَّر أو أودَع.