فهرس الكتاب
38 - {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا} ؛ أي: تعظموا عن امتثال أمرك في ترك السجود لغير الله تعالى، وأبوا إلا اتخاذ الواسطة، فذلك لا يققل عدد من يخلص عبادته لله تعالى، وقوله: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} علة للجزاء المحذوف؛ أي: فإن الملائكة المقربين عند الله {يُسَبِّحُونَ لَهُ} ؛ أي: ينزهونه عن الأنداد وسائر ما لا يليق به {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ؛ أي: دائمًا وفي جميع الأوقات، وظهر من هذا التقرير أن تخصيص الملائكة مع وجود غيرهم من العبّاد المخلصين؛ لكثرتهم، وأيضًا الشمس والقمر عندهم، فيردّون العبادة عنهما غيرةً بتخصيصها بالله تعالى {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} ؛ أي: والحال أن الذين عند ربك لا يملُّون عن عبادته وتسبيحه، ولا يفترون عنهما، فإن التسبيح منهم كالتنفس منا.
ومعنى الآية: فإن استكبر هؤلاء المشركون الذين يعبدون هذه الكواكب، وأبوا إلا أن يسجدوا لها وحدها دون الله .. فالله لا يعبأ بهم، فالملائكة الذين في حضرة قدسه، وهم خير منهم لا يستكبرون عن عبادته، بل يسبِّحون له ويصلّون ليلًا ونهارًا وهم لا يَفْتَرون عن ذلك ولا يملُّون.
فصل
وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء: وهما وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه عند قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وهو قول ابن مسعود والحسن، وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد؛ لأنَّ ذكر السجدة قُبيله.
والثاني: وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، وكذلك نقله الرافعي أنه عند قوله تعالى: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيِّب وقتادة، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده يتمّ الكلام. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 25/ 357 - 376} ...