فهرس الكتاب
إذن: ينبغي أنْ نُصحِّح فهمنا لهذه المسألة، فقد يُهزَم جيش المسلمين وفيه رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هُزِم الإسلام، بل خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب التخلف، فتِّشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ شاهد بذلك.
فيوم حنين قالوا: لن نُهزم اليوم من قلة، ومَنْ قالها؟ قالها أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء من الغرور بالعدد أدَّبهم الله وأعطاهم درساً، فهُزموا أول الأمر، لكن أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية.
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذلك جَزَآءُ الْكَافِرِينَ}
[التوبة: 25 - 26] .
فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت نوعاً من التربية ليست كُرْهاً من الله لعباده على حَدِّ قول الشاعر:
فَقَسَا لِيَزْدجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً ... فَلْيقْسُ أحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أنْ يكونوا أهلاً لتحقيق الوعد، وأنْ يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله به.
لكن لماذا يعاند المشركون كلّ هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ليسلبهم هذه السيادة ويُنهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط لا فضلَ لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى.
فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سلمان منا أهل البيت".
فالنسب للإسلام والقرابة لدين الله، ففي الوقت الذي جعل فيه سلمان واحداً من أهل البيت كان أبو لهب كافراً مطروداً من رحمة الله!!
وقد تعلَّمنا هذا الدرس من قصة سيدنا نوح مع ابنه، وكم كان نوح عليه السلام حريصاً على نجاة هذا الابن، وكم دعا الله له، لكن الحق سبحانه يعلمه هذا الدرس