وفرقة كانت في الحالين جميعا على الإعراض عنهم، وترك الإقبال إليه والطاعة له، لا يفزعون ولا يقبلون لا في حال الرخاء والسعة ولا في حال البلاء والشدة؛ كقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) .
وفرقة كانت ترى الحسنة والخير من أنفسهم، وإذا صارت سيئة وشدة تطيروا بالرسل عليهم السلام؛ كقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وقوله تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) .
وإذا كانت الكفرة على هذه المذاهب المختلفة وكانت أجناسا شتى، فيكون كل آية منهما في جنس غير الجنس الآخر، وفي أهل مذهب غير أهل مذهب آخر، فأما المسلمون فيكونون في الحالين جميعًا على التوحيد والإقبال إلى اللَّه تعالى في حال الرخاء والسعة، وفي حال البلاء والشدة، وهو على ما استثناهم اللَّه تعالى عند ذكر الكفرة؛ حيث قال: (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ(10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) الآية، وأمثال ذلك من الآيات، وصفهم - جل وعلا - بالثبات والقرار على دينهم في الأحوال كلها، واللَّه أعلم.
والثالث: جائز أن يكون ما ذكر من الآيتين على ما ذكر إخبارًا عما طبع عليه البشر وأنشئ، وإنما أنشئ البشر وطبع على الرغبة في الخير والسعة والنفار عن الشدة والبلاء والكراهة له؛ فهذا إخبار عما طبعوا عليه وأنشئوا، ليس على حقيقة إظهار ذلك منهم قولا أو فعلا، ولكن، على ما طبع كل إنسان؛ راغبا حريصا في السعة والرخاء، وأنه ما ذكر لا يسأم من دعاء الخير، كارها نافرا عن البلاء والشدة، واللَّه أعلم.