قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} عزيز من حيث امتنع أسراره عن تفهم الافهام وإدراك الأوهام لأنه كنوز غيب الذات والصفات وهو صفات الأزلية مفاتيح كل صفة لا يدركه بالحقيقة عوض الفطن ولا تحويه الخواطر والذهن لا يزيله اباطيل الأولين ولا ترهات الآخرين لأنه لا يحل في الحدثان ولا يفارق عن ذات الرحمن فإذا كان الحق موصوفا به ازلا وابدا فكيف يغيره الحوادث وكيف يخلفه الازمنة والدهور قال ابن عطا عزيز لأنه لا يبلغ أحد حقيقة حقه لعزه في نفسه وعز من أنزله وغرضه أنزل عليه وعز من خوطب به أولياءه وأهل صفوفه وقيل البعد أوهام العباد عن حقيقته قال ابن عطا كيف ياتيه الباطل وهو الحقيقة ونزل من عند الحق وهو كلامه فكيف يلحقه باطل وبه يتحقق الحقائق وبه يصح أحوال المتحققين وهو الحق على كل الأحوال والباطل ضده فكيف يجتمع المتضادان وهما متباينان من كل الوجوه قال أيضا كيف يكون الباطل عليه سبيل وهو من حق بدا وهو الحق فلا يتحقق به إلا محقق.
قوله تعالى {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} لعقول العارفين إلى معدنه وهو ذات القديم وشفاء لقلوب العاشقين المشتاقين وأرواح مرضى المحبة وسقمي الصبابة لأنه خطاب حبيبهم وكتاب مشوقهم يستلذونه من حيث العبارات ويعرفونه من حيث الإشارات وقال جعفر شفاء لمن كان في ظل العصمة وعمى على من كان في ظلمة الخذلان فكما وصف الله أهل خالصته وما يقع لهم بخطابه وصف المنكرين كلامه والجاحدين وجوده بان في إذان قلوبهم واسماع عقولهم وقر الخذلان والضلالة ولا يرون جمال خطابه بان ليس في عيونهم أنوار كحل مشاهدته ولا سنا عز هدايته بقوله {وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} إذا لم يروا جمال القرآن بنور الفهم والإيمان زاد طغيانهم بالإنكار عليه لأنهم في مكان الضلالة وهو بعيد من أن يسمعوا بوصف الفهم والإدراك والمتابعة قال ذو النون من واقر سمعه واصم عن نداء الحق في الأزل لا يسمع نداءه عند الإيجاد وان سمعه كان عليه عمى ويكون عن حقايقه بعيدا وذلك انهم نودوا عن بعد ولم يكونوا بالقرب.