إذن: باللغة فهمتْ هذه الأمة وترجمتْ هذا المنهج إلى عمل، فتحوَّلَتْ من أمة أمية جاهلة لا نظام لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبتْ إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبَّقوا تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفتَ الأنظار إلى الإسلام.
لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] .
لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصداً للسائلين، لماذا؟ لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء به، ثم يُوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول:
{قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذلكمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذلك مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 37 - 38] .
يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا وتأويلها مثلي تماماً.
هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلينْ ما أرادا أعطاهما ما أراد هو أولاً من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع لكل كلمة يقولها.
لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول: