نعم، في طاعتهم للكبير ما قد يوجب عليه رعايتهم والإغضاء عن قبائحهم، فربما استنصر بهم من هذا الوجه، ومن ثم لم يرضَ ذلك الحكيم بثنائهم عليه، وأطلق كثير من الحكماء ذمهم.
وروى الخطابي في"العزلة"عن عطاء: أنه كان يستخف بالغوغاء، ويبلي الناس بهم.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد الزهد"عن ابن شوذب رحمه الله تعالى قال: كان الحسن - يعني: البصري رحمه الله تعالى - إذا نظر إلى أهل السوق قال: هؤلاء قتلة الأنبياء.
وقال بعض الحكماء: العامة إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا.
قال الخطابي: يريد: إذا تفرقوا رجع كل واحد منهم إلى صناعته، فيخرز الإسكاف، ويخصف الحذاء، وينسج الحائك،
ويخيط الخياط، وينتفع الناس بهم، انتهى.
وقد قيل: لا عبرة بجماعة العوام؛ فإنهم يجمعهم طبلٌ ويفرقهم عصا؛ أي: لا يجتمعون على غرض صحيح، وأدنى شيء يوهمهم يفرقهم.
وروى الخطابي عن أبي عاصم النبيل: أنَّ رجلاً أتاه فقال: إنَّ امرأتي قالت لي: يا غوغاء! فقلت لها: إنْ كنتُ غوغاء فأنت طالق ثلاثاً.
فقال له أبو عاصم: هل أنت ممن يحضر المناطحة بالكباش، والمناقرة بالديوك؟
فقال: لا.
فقال له: هل أنت الرجل يحضر يوم يعرض السلطان أهل السجون، فيقولون: فلان أَجْلد من فلان؟
فقال: لا.
فقال: هل أنت الرجل الذي إذا خرج الأمير يوم الجمعة جلست له على ظهر الطريق حتى يمر، ثم تقيم مكانك حتى يُصلي وينصرف؟
فقال: لا.
فقال له أبو عاصم: فلست بغوغاء، إنما الغوغاء من فعل هذا.
قلت: وفي معنى ما ذكره أبو عاصم من حضور مناقرة الديوك ومُناطحة الكباش الوقوف في حلق القرادة، والذبابة، والمشعبذين، والذين يحكون الحكايات المكذوبة، والمجان، وأهل السخرية.
وفي معنى حضور يوم عرض المسجونين على السلطان شهود من يقتل من أهل الجرائم والتهم، والدوران مع مَنْ يعزر منهم في البلد، وكذلك سائر المفترجات المكروهة والمحرمة، والجلوس في بيوت القهوات، وحوانيت البرش والحشيش؛ كل ذلك لا يعكف عليه إلا الغوغاء، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك.