وفي الآية اختصار، والمعنى: فعل موسى ما أمر به، بأن ترك البحر رهوًا. فدخله فرعون فأغرقوا، وتركوا بساتين كثيرةً وعيونًا نابعةً، قال بعضهم: لما كان فرعون يفتخر بالماء وجريان الأنهار من تحت قصره، وأشجار بساتينه جاء الجزاء من جنس العمل، ولذا أمر الله تعالى موسى عليه السلام، بأن يسير إلى جانب البحر دون البر، وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على إهلاك العدو في البر أيضًا، بسبب من الأسباب، كما فعل بأكثر الكفار، ممن كانوا قبل القبط
26 - {و} كم تركوا من {زُرُوعٍ} كثيرة الأقوات، جمع زرع، وهو ما استنبت بالبذر، تسميةً بالمصدر من زرع الله الحرث إذا أنبته وأنماه. قال في"كشف الأسرار"؛ أي: وفنون الأقوات، وألوان الأطعمة؛ أي: كانوا أهل ريف وخصب، خلاف حال العرب {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} ؛ أي: محافل مزينة، ومنازل محسنة، وقرأ الجمهور: {وَمَقَامٍ} بفتح الميم، قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: أراد المقام، وهو اسم مكان للقيام، وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السميفع ونافع، في رواية خارجة، وقتادة بضمها، اسم مكان الإقامة، قال قتادة: أراد المواضع الحسان من المجالس، والمساكن وغيرها.
27 - {وَنَعْمَةٍ} ؛ أي: تنعم ونضارة عيش ولذاذة حياة، يقال: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له، فالنعمة بالكسر ما أنعم به الله عليك، والشعمة بالفتح التنعم، وهو استعمال ما فيه النعومة، واللين، من المأكولات والملبوسات؛ أي: وكم تركوا من نعمة {كَانُوا} ؛ أي: فرعون وقومه {فِيهَا} ؛ أي: في تلك النعمة {فَاكِهِينَ} ؛ أي: متنعمين متلذذين، ومنه الفاكهة، وهي ما يتفكه به؛ أي: يتنعم ويتلذذ بأكله، وقرأ أبو رجاء {ونعمة} بالنصب عطفًا على {كَمْ} وقرأ الجمهور: {فَاكِهِينَ} بالألف؛ أي: طيبي الأنفس، أصحاب فاكهة كلابن وتامر؛ أي: كانوا فيها متنعمين طيبةً بها أنفسهم، وقرأ أبو رجاء والحسن، وأبو الأشهب، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة {فكهين} بغير ألف؛ أي: أشرين بطرين، وقال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه، إذا كان مزاحًا، والفكه أيضًا لأشر. وقال القشيري: فاكهين لاهين،