ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ، ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا ، ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون ، وإنما يلهمون التسبيح ، والتحميد ، والتقديس ، عوضاً عن الطعام والشراب ، كالملائكة ؛ لأنهم من جنسهم ، وكل هذه الأقوال فيها نظر ، ولا دليل عليها . انتهى .
الخامس - قيل: سر التبعيض في قوله: {مِّن ذُنُوبِكُمْ} أن من العذاب ما لا يغفر بالإيمان ، كذنوب المظالم ، أي: حقوق العباد . وفيه نظر ؛ لأن الحربي لو نهب الأموال المصونة ، وسفك الدماء المحقونة ، ثم حسن إسلامه ، جبّ الإسلام عنه إثم ما تقدم ، بلا إشكال . ويقال: إنه ما وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله تعالى إلا مبعضة ، والسر فيه أن مقام الكافر قبض لا بسط ، فلذلك لم يبسط رجاؤه كما في حق المؤمن - أفاده الناصر - .
السادس - قال ابن كثير: جمعوا في دعواهم قومهم بين الترغيب والترهيب ، ولهذا نجع في كثير منهم ، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوداً وفوداً ، كما تقدم بيانه .
السابع - قال المارردي: الجن من العالم الناطق المميز ، يأكلون ، ويتناكحون ، ويتناسلون ، ويموتون ، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار ، وإن تميزوا بأفعالٍ وآثارٍ ، إلا أن الله يخص برؤيتهم من يشاء ، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية ، وما تخيلوه من آثارهم الخفية .
وقال القاشاني: الجن نفوس أرضية تجسدت في أبدان لطيفة مركبة من لطائف العناصر ، سماها حكماء الفرس: الصور المعلقة . ولكونها أرضية متجسدة في أبدان عنصرية ، ومشاركتها الإنس في ذلك ، سمّيا ثقلين . وكما أمكن الناس التهدي بالقرآن أمكنهم ، وحكاياتهم من المحققين وغيرهم أكثر من أن يمكن رد الجميع ، وأوضح من أن يقبل التأويل . انتهى .