وَقَدْ: حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ:"مَا هَذِهِ الْفَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} "
قَالَ: جَوَابُ الْجَزَاءِ، قَالَ: قُلْتُ: «إِنَّهَا إنْ تَأْتِيهِمْ» ، قَالَ: فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ «إِنْ تَأْتِهِمْ»
قَالَ الْفَرَّاءُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ قَرَأَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ أَيْضًا فِي بَعْضِ مَصَاحِفِ الْكُوفِيِّينَ بِسِنَّةٍ وَاحِدَةٍ «تَأْتِهِمْ» وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ «إِنْ» وَجَزْمِ «تَأْتِهِمْ» فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ؟ فَيُجْعَلُ الْخَبَرُ عَنِ انْتِظَارِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ السَّاعَةَ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ: {إِلَّا السَّاعَةَ} ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ الْكَلَامُ فَيُقَالُ: إِنْ تَأْتِهِمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا، فَتَكُونُ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: {فَقَدْ جَاءَ} بِجَوَابِ الْجَزَاءِ.
وَقَوْلُهُ: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا}
يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ السَّاعَةُ وَأَدِلَّتُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا، وَوَاحِدُ الْأَشْرَاطِ: شَرْطٌ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
تَرَى شَرَطَ الْمِعْزَى مُهُورَ نِسَائِهِمْ ... وَفِي شَرَطِ الْمِعْزَى لَهُنَّ مُهُورُ
وَيُرْوَى: «تَرَى قَزَمَ الْمِعْزَى» ، يُقَالُ مِنْهُ: أَشْرَطَ فُلَانٌ نَفْسَهُ: إِذَا عَلَّمَهَا بِعَلَامَةٍ، كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ:
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
عَنْ قَتَادَةَ: «قَدْ دَنَتِ السَّاعَةُ وَدَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغُ الْعِبَادِ»
وَقَوْلُهُ: {فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ ذِكْرَى مَا قَدْ ضَيَّعُوا وَفَرَّطُوا فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ، يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ يَنْفَعُهُمُ التَّذَكُّرُ وَالنَّدَمُ، لِأَنَّهُ وَقْتُ مُجَازَاةٍ لَا وَقْتَ اسْتِعْتَابٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ.
وَالذِّكْرَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ: {فَأَنَّى لَهُمْ} لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَأَنَّى لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ.