وكان كذلك حتى ذكر لي هذا الشخص أنه في تلك الحالة التي كوشف بالشخص راكباً قال: رأيته في السوق وأنا أسمع بأذني صوت المطرقة من الحداد في سوق بغداد وكل هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم وتعطى، وقد يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا لأن هذه كلها تقوية اليقين. ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا.
فكل هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذكر في القلب ووجوده ذكر الذات، فإن تلك الحكمة فيها تقوية للمريدين وتربية للسالكين ليزدادوا بها يقيناً يجذبون به إلى مراغمة النفوس والسلو عن ملاذ الدنيا ويستنهض منهم بذلك ساكن عزمهم لعمارتهم الأوقات بالقربات؛ فيتروحون بذلك ويروقون لطريقة من كوشف بصرف اليقين من ذلك لمكان أن نفسه أسرع إجابة وأسهل انقياداً وأتم استعداداً. والأولون استلين بذلك منهم ما استوعر واستكشف منهم ما استتر.
وقد لا يمنع صور ذلك الرهابين والبراهمة ممن هو غير منتهج سبل الهدى وراكب طريق الردى ليكون ذلك في حقهم مكراً واستدراجاً؛ ليستحسنوا حالهم ويستقروا في مقار الطرد والبعد إبقاء لهم فيما أراد الله منهم من العمى والضلال والردى والوبال؛ حتى لا يغتر السالك بيسير شيء يفتح له، ويعلم أنه لو مشي على الماء والهواء لا ينفعه ذلك حتى يؤدي حق التقوى والزهد، فأما من تعوّق بخيال أو قنع بمحال ولم يحكم أساس خلوته بالإخلاص يدخل الخلوة بالزور ويخرج بالغرور، فيرفض العبادات ويستحقرها ويسلبه الله تعالى لذة المعاملة وتذهب عن قلبه هيبة الشريعة ويفتضح في الدنيا والآخرة.
فليعلم الصادق أن المقصود من الخلوة التقرب إلى الله تعالى بعمارة الأوقات وكف الجوارح عن المكروهات، فيصلح لقوم من أرباب الخلوة إدامة الأوراد وتوزيعها على الأوقات، ويصلح لقوم ملازمة ذكر واحد ويصلح لقوم دوام المراقبة، ويصلح لقوم الانتقال من الذكر إلى الأوراد، ولقوم الانتقال من الأوراد إلى الذكر، ومعرفة مقادير ذلك يعلمه المصحوب للشيخ المطلع على اختلاف الأوضاع وتنوعها مع نصحه للأمة وشفقته على الكافة، يريد المريد لله لا لنفسه، غير مبتلى بهوى نفسه، محباً للاستتباع، ومن كان محباً للاستتباع فما يفسده مثل هذا أكثر مما يصلحه. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...