وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال على حَدِّ قول الشاعر:
أخافك إجلالاً وما بك قدرة ... عليَّ ولكن مِلْءُ عين حبيبها
فأنت تحب مَن تخافه، وتعلم أن له جميلاً عندك، وأنك لا تستطيع أنْ تُوفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهْم هذا المعنى قول الله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..} [فاطر: 27 - 28] .
الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو يُخوِّفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كوْنِه، أرادنا أنْ نبحث فيها ونتأملها، وأنْ نُنقب عن أسرارها وما فيها من جمال.
فكلما نظرنا في آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالاً لعظمته ونعمته علينا، والعلماء هم أوْلَى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله وتقديره حَقَّ قَدْره.
وتأمَّل هنا الاداء القرآني: {مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ..} [ق: 33] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل مَنْ خشي القهار أو الجبار، لأن الخشية هنا مغلَّفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله الذي نخافه ونخشاه.
ثم قيد هذه الخشية بأنها {بِالْغَيْبِ ..} [ق: 33] يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سِرِّه قبل جهره، وفي خلْوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه.
أما ضعيف الإيمان فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدَّث عن الحلال والحرام، لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله.
إذن: فخشيته من الله فيها رياء ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله بالغيب.
ومن معاني الغيب أيضاً أن المؤمن لمّا تُخوِّفه عذاب الله وتذكر له النار وهو ما يزال في سَعَة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدَّقنا بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها.
والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] .