وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَفِيظٍ) . أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرًّا وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله - تعالى -: (لِلْمُتَّقِينَ) ، (لِلْمُحْسِنِينَ) ، إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ...(33) .
أي: خاف وحذر بما أوعد.
ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) . أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.
والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد وخافه وهو كقوله - تعالى - (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ، أي: عقوبته ونقمته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) المنيب: هو المقبل على اللَّه تعالى بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ(34) .
كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) .
والثاني: السلام: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى فيقال لهم: ادخلوها باسم اللَّه تعالى على ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم اللَّه تعالى؛ امتثالا لحديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم اللَّه فهو أبتر".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) ، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) ، عن الخوف والحزن.