لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} أي شدته الذاهبة بالعقل ملتبسة {بالحق} أي بحقيقة الأمر أو بالحكمة {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ} الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان في قوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان} على طريق الالتفات {تَحِيدُ} تنفر وتهرب {وَنُفِخَ فِى الصور} يعني نفخة البعث {ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد} أي وقت ذلك يوم الوعيد على حذف المضاف والإشارة إلى مصدر نفخ {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أي ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله ، ومحل {مَّعَهَا سَائِقٌ} النصب على الحال من {كُلٌّ} لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة {لَّقَدْ كُنتَ} أي يقال لها لقد كنت {فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هذا} النازل بك اليوم {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} أي فأزلنا غفلتك بما تشاهده {فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ} جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله أو غشاوة غطي بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق ، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديداً لتيقظه.
{وَقَالَ قَرِينُهُ} الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه {هذا} أي ديوان عمله ، مجاهد: شيطانه الذي قيض له في قوله {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] .
هذا أي الذي وكلت به {مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} {هذا} مبتدأ و {مَا} نكرة بمعنى شيء والظرف بعده وصف له وكذلك {عَتِيدٌ} و {مَا} وصفتها خبر {هذا} والتقدير هذا شيء ثابت لديّ عتيد.