الْخَامِسُ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ كُلَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَانَ فِيهِ التَّقْدِيرُ فِي الْجِرْمِ وَالزَّمَانِ قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الْفُرْقَانِ: 59] وَقَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فُصِّلَتْ: 9] وَقَالَ: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: 75] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82] وَقَالَ: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الْإِسْرَاءِ: 85] وَقَالَ تَعَالَى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الْأَعْرَافِ: 54] وَالْمَلَائِكَةُ كَالْأَرْوَاحِ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ أَوَجَدَهُمْ مِنْ غَيْرِ مُرُورِ زَمَانٍ فَقَوْلُهُ (وَما خَلَقْتُ) إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ هُوَ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ بَاطِلٌ لقوله تَعَالَى: (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر: 62] فَالْمَلَكُ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ.
* تَقْدِيمُ الْجِنِّ عَلَى الْإِنْسِ لِأَيَّةِ حِكْمَةٍ؟
نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: بَعْضُهَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْعِبَادَةَ سِرِّيَّةٌ وَجَهْرِيَّةٌ، وَلِلسِّرِّيَّةِ فَضْلٌ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ لَكِنَّ عِبَادَةَ الْجِنِّ سِرِّيَّةٌ لَا يَدْخُلُهَا الرِّيَاءُ الْعَظِيمُ، وَأَمَّا عِبَادَةُ الْإِنْسِ فَيَدْخُلُهَا الرِّيَاءُ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْبُدُ اللَّهَ لِأَبْنَاءِ جِنْسِهِ، وَقَدْ يَعْبُدُ اللَّهَ لِيَسْتَخْبِرَ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مَخَافَةً مِنْهُمْ وَلَا كَذَلِكَ الْجِنُّ.
* قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) [الْحُجُرَاتِ: 13] وَقَالَ: (لِيَعْبُدُونِ) فَهَلْ بَيْنَهَا اخْتِلَافٌ؟