أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنْ نَقُولَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَيْهِمْ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى، أَوْ فِي الْمَعْنَى عَلَى التَّقْدِيرِ وَالْمَفْهُومِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ) [الواقعة: 17] مَعْنَاهُ لَهُمْ وِلْدَانٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ) [الطور: 24] فَيَكُونُ: وَحُورٌ عِينٌ بِمَعْنَى وَلَهُمْ حُورٌ عِينٌ
وَثَانِيهِمَا: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَتِ الْحُورُ مُنْحَصِرَاتٍ فِي جِنْسٍ، بَلْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: حُورٌ مَقْصُوراتٌ في حظائر معظمات ولهن جواري وخوادم، وَحُورٌ تَطُوفُ مَعَ الْوِلْدَانِ السُّقَاةِ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ وَنِسَاءٌ.
الثَّانِيَةُ: الْجَرُّ عَطْفًا عَلَى أَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يُطَافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ؟
نَقُولُ: الْجَوَابُ سَبَقَ عِنْدَ قوله: (وَلَحْمِ طَيْرٍ) [الواقعة: 21] أو عطفا على: (جَنَّاتِ) [الواقعة: 12] أَيْ: أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَحُورٍ.
(لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا(25) إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا (26)
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّبَأِ: (لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا) [النبأ: 35] فَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟
قُلْنَا: نَعَمْ الْكِذَّابُ كَثِيرُ التَّكْذِيبِ وَمَعْنَاهُ هُنَاكَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَذِبًا وَلَا أَحَدًا يَقُولُ لِآخَرَ: كَذَبْتَ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَذِبًا مِنْ مُعَيَّنٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِتَفَاوُتِ حَالِهِمْ وَحَالِ الدُّنْيَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ بِأَعْيَانِهِمْ كَذَّابُونَ فَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ نَقْطَعْ بِأَنَّ فِي النَّاسِ كَذَّابًا لِأَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: كَذَبْتَ فَإِنْ صَدَقَ فَصَاحِبُهُ كَذَّابٌ، وَإِنْ لَمْ يَصْدُقْ فَهُوَ كَاذِبٌ فَيَعْلَمُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا كَذَّابًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَلَا كَذِبَ فِيهَا.