نَقُولُ: أَمَّا السَّابِقُ فَلَهُ حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُولَى، وَالْأُخْرَى فِي الْآخِرَةِ، فذكره في المرة الأولى بما له في الحالة الأولى، وفي الثانية بما له فِي الْحَالَةِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ حَالَةٌ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وَبَيْنَ الْحِسَابِ، بَلْ هُوَ يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، لِأَنَّ حَالَهُمْ قَرِيبَةٌ مِنْ حَالِ السَّابِقِينَ، وَذَكَرَ الْكُفَّارَ بِأَلْفَاظٍ ثَلَاثَةٍ كَأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهُمْ بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإِنَّ الْمَشْأَمَةَ مَفْعَلَةٌ وَهِيَ الْمَوْضِعُ، ثُمَّ قَالَ: (أَصْحابُ الشِّمالِ) فَإِنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتَابَهُمْ بِشِمَالِهِمْ، وَيَقِفُونَ فِي مَوْضِعٍ هُوَ شِمَالٌ، لِأَجْلِ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي أَوَّلِ الْحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ ذَكَرَ مَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ السَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ وَكانُوا يُصِرُّونَ) [الْوَاقِعَةِ: 45، 46] فَذَكَرَ سَبَبَ الْعِقَابِ لِمَا بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ الْعَادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقَابِ سَبَبًا، وَالْمُتَفَضِّلَ لَا يَذْكُرُ لِلْإِنْعَامِ وَالتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ) لِيَكُونَ تَرْتِيبُ الْعِقَابِ عَلَى تَكْذِيبِ الْكِتَابِ فَظَهَرَ الْعَدْلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .