ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا حَسَدَهُمْ وَسُوءَ طَوِيَّتِهِمْ: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا الْمَسُّ فِي الْأَصْلِ: كَاللَّمْسِ ، وَالْمُرَادُ بِـ تَمْسَسْكُمْ هُنَا تُصِبْكُمْ ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ لَفْظِ الْمَسِّ فِي جَانِبِ الْحَسَنَةِ وَالْإِصَابَةِ فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ يَسُوءُهُمْ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْرٍ وَإِنْ قَلَّ ، بِأَنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُمَسُّ بِالْيَدِ وَإِنَّمَا يَفْرَحُونَ بِالسَّيِّئَةِ إِذَا أَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ إِصَابَةً يَشُقُّ احْتِمَالُهَا . هَذَا مَا كَانَ يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِي وَلَكِنْ رَأَيْتُ صَاحِبَ الْكَشَّافِ يَجْعَلُهُمَا هُنَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَسْتَدِلُّ بِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ لِكُلٍّ مِنْهَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ ، وَيَقُولُ: إِنَّ الْمَسَّ مُسْتَعَارٌ لِلْإِصَابَةِ ، ثُمَّ خَطَرَ لِي أَنْ أُرَاجِعَ تَفْسِيرَ (أَبِي السُّعُودِ) فَإِذَا هُوَ يَقُولُ:"وَذِكْرُ الْمَسِّ مَعَ الْحَسَنَةِ وَالْإِصَابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ مَدَارَ مَسَاءَتِهِمْ أَدْنَى مَرَاتِبِ إِصَابَةِ الْحَسَنَةِ وَمَنَاطَ فَرَحِهِمْ تَمَامُ إِصَابَةِ السَّيِّئَةِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْيَأْسَ مُسْتَعَارٌ لِمَعْنَى الْإِصَابَةِ"وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ ، وَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ
الْبَلَاغَةِ الْعُلْيَا ، وَالْحَسَنَةُ: الْمَنْفَعَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ حِسِّيَّةً