فأما قوله تعالى: {فأكله الذئب} فإن الافتراس معناه في فعل السبع القتل فحسب , وأصل الفرس دق العنق , والقوم إنما ادعوا على الذئب أنه أكله أكلًا وأتى على جميع أجزائه وأعضائه , فلم يترك مفصلًا ولا عظمًا , وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إياه بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه , فادعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة , والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى , لم يصح على هذا أن يعبر عنه إلا بالأكل؛ على أن لفظ الأكل شائع الاستعمال في الذئب وغيره من السباع. وحكى ابن السكيت في ألفاظ العرب قولهم: أكل الذئب الشاة فما ترك منها تامورا , وقال بعض شعرائهم:
فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دما فهو آكله
وقال آخر:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضَّبع
وفي حديث عتبة بن أبي لهب أنه لما دعا عليه السلام: فقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك , فخرج في تجر إلى الشام , فنزل في بعض المنازل , جاء الأسد وأطاف بهم فجعل عتبة يقول: أكلني السبع , فلما كان في بعض الليل علا عليه ففدغ رأسه. وقد يتوسع في ذلك حتى يجعل العقر أكلا وكذلك اللدغ واللسع.
أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي عن أبي مكارم قال: مررت بمنهال وعلى شفيره صنبور بيده شوشب فقلت لأمه: أدركي القامة لا تأكله الهامة. قال أبو العباس: الشوشب , العقرب والقامة الصبي الصغير.
وحكي أيضا عن بعض الأعراب أكلوني البراغيث؛ فجعل قرص البرغوث أكلا. ومثل هذا الكلام كثير.