فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 152

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219)

روى أحمد عن أبي هريرة قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فنزلت الآية فقال الناس: ما حرّم علينا، إنما قال: إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم صلى رجل من المهاجرين وأمّ الناس في المغرب فخلّط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها «ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» ثم نزلت آية أغلظ من ذلك «ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» إلى قوله: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» قالوا انتهينا ربّنا.

ومجموع الروايات يدل على أن النهي القطعيّ عنها كان بعد التمهيد لذلك وبعد النهي عن قرب الصلاة حال السكر، وأوقات الصلاة متقاربة، فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما يجعل النفوس له أقبل ولاتّباعه أطوع.

قال القفّال: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب - أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق.

(قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) أي قل لهم: إن في تعاطى الخمر والميسر إثما لأن فيهما أضرارا كثيرة، ومفاسد عظيمة.

أما الخمر فلها مضار في البدن والنفس والعقل والمال وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض، فمن ذلك:

(1) مضارها الصحية - بإفساد المعدة وفقد شهوة الطعام وجحوظ العينين وعظم البطن وامتقاع اللون، ومرض الكبد والكلى، والسل الذي يفتك بالبلاد الأوربية فتكا ذريعا على عناية أهلها بالقوانين الصحية، وقد استطار شره في مصر بعد انتشار المسكرات بها، مع أن جوها لا يساعد على انتشاره، وإسراع الهرم إلى السكير حتى قال بعض الأطباء الألمان: إن السكير ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين، وقال آخر: إن المسكر يعطل وظائف الأعضاء أو يضعفها، فهو يضعف حاسة الذوق ويحدث التهابات في الحلق وتقرّحات في الأمعاء وتمددا في الكبد ويولد

الشحم فيه فيضعف عمله، ويعيق دورة الدم وقد يقفها أحيانا فيموت السكّير فجأة، كما يضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تفسد أحيانا فيفسد الدم ولو في بعض الأعضاء فتحدث (الغرغرينا) التي تقضى بقطع العضو الذي تظهر فيه حتى لا يسرى الفساد إلى الجسم كله فيكون الموت، وكذلك يضعف مرونة الحنجرة ويهيج شعب التنفس ويحدث بحة في الصوت ويكثر السعال.

وانقطاع النسل، فولد السكير يكون ضعيفا وحفيده أشد ضعفا وأقل عقلا وهكذا يسرى الضعف إلى أولاده طبقة بعد أخرى حتى ينقطع النسل، ولا سيما إذا سار الأبناء على سنة الآباء وذلك هو الغالب فيهم، حتى قال أحد الأطباء: اقفلوا لى نصف الخانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات.

(2) مضارها العقلية - إنها تضعف القوة العاقلة لتأثيرها في المجموع العصبي، وكثيرا ما ينتهى الأمر بالسّكور إلى الجنون.

(3) مضارها المالية - تفنى الثروة وتستهلك المال، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أصناف الخمور وغلا ثمن الكثير منها - وافتنّ تجرها في ترويج بضاعتهم بوسائل شتى حتى لقد يجمعون بينها وبين القيادة والزنا، فكم رأينا من خمار رومى فقير يفتح حانة في إحدى القرى فلا يلبث إلا قليلا حتى يبتلع ثروة أهلها ويصير سيد القرية، وقد قيل: إن ما ينفق في مصر ثمنا للخمر يربو على ما ينفق في فرنسا كلها.

(4) مضارها في المجتمع - وقوع النزاع والخصام بين بعض السكارى وبعض، وبينهم وبين من يعاشرهم لأدني بادرة تصدر من واحد منهم، وذلك ما أشار إليه الكتاب الكريم: «إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ» .

والخسة والمهانة في عيون الناس، فقد يأتي السكّير في كلامه وحركاته بما يضحك منه ويكون موضع السخرية من الناس، ويعبث به الصبيان، إذ يكون أقل منهم

عقلا، وقلما يضبط أقواله وأفكاره، وللسكارى من النوادر ما يكفى كل ذى شرف وعقل أن يكفّ عن الخمر، وتجرّيء على ارتكاب الجرائم وتغرى بها، ولا سيما الزنا والقتل، ومن ثم سميت أم الخبائث.

(5) مضارها النفسية - إفشاء السر وهو ذو أضرار خطيرة، ولا سيما إذا كان متصلا بالحكومات وسياسة الدول وشئونها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس في نجاحهم في مهامهم التي ندبوا لها.

(6) مضارها الدينية - إن السكران لا تتأتى منه عبادة صحيحة، ولا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، ومن ثم قال: «وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ» أي يصدكم الشيطان بتناولها عن الذكر والصلاة.

أما مضار الميسر فليست بأقل من مضار الخمر، فمنها:

(1) أنه يورث العداوة والبغضاء بين اللاعبين.

(2) أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

(3) أنه يفسد الأخلاق بتعويد الناس الكسل بانتظار الرزق من الأسباب الوهمية وتركهم الأعمال الجالبة للكسب كالزراعة والصناعة والتجارة وهي أساس العمران (4) خراب البيوت بغتة وضياع أموال أربابها فجأة بالخسارة في لعب الميسر، فكم رأينا من أسرة نشأت بين أحصان الثروة والغنى، وانحصرت ثروتها في واحد من أفرادها، فلم يكن منه إلا أن أضاعها بين غمضة عين وانتباهتها، وأصبحت هذه الأسرة في فقر مدقع لا تملك ما تعيش به عيش الكفاف.

أما منافع الخمر فكثيرة منها:

(1) الاتجار بها فقد كانت ولا تزال موردا كبيرا للغنى والإثراء.

(2) قد تكون علاجا لبعض الأمراض ككثير من السموم والنبات الضار بالمزاج المعتدل والمقدار الذي يعطى حينئذ يكون قليلا لا يكفى للذة والنشوة.

(3) تسلّى الحزين على ما يكون بعدها من رد الفعل الذي يزيد في الكآبة والحزن.

(4) تثير النّخوة والشجاعة، وهذا من أعظم منافعها عند العرب، وإن كان هذا مضرة في العصر الحاضر، فإن هذه الحميّة هي التي تثير الشحناء والبغضاء بين السكارى ولا حاجة إليها الآن في الحرب، لأنها أصبحت فنا لا بد فيه من حضور العقل وجودة النظر.

(5) تجعل البخيل سخيّا، وقد يكون هذا نافعا في الأزمنة القديمة حين كان الرجل ينفق ماله بين أهله - أما الآن فإنه كثير الضرر، لأنه يذهب بثروة البلاد ويضعها في أيدى الأشرار من الأجانب.

ومن منافع الميسر.

(1) مواساة الفقراء كما في النوع المسمى (يا نصيب) الذي يعمل لبناء الملاجيء والمستشفيات والمدارس وغيرها من أعمال البر.

(2) سرور الرابح وأريحيته.

(3) أنه يصيّر الفقير غنيّا بدون تعب ولا نصب.

(وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) في هذا إرشاد إلى القاعدة العظيمة التي دوّنها علماء الإسلام فيما بعد وهي: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» ، وإلى القاعدة الأخرى «ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما» .

ولما كانت دلالة الآية على التحريم ليست صريحة لم تجعل تشريعا عاما تطالب به كل الأمة، بل عمل فيها كل واحد باجتهاده، فمن فهم منها التحريم امتنع منها، ومن لم يفهم ذلك جرى على أصل الإباحة، ومن ثم عمل الصحابة باجتهادهم على اختلافهم فيه، وأقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وصار عمر يدعو الله أن يبين في الخمر بيانا شافيا حتى نزلت آية المائدة التي تقدمت: إنما الخمر والميسر إلخ. فتركهما الصحابة جميعا.

ولما للخمر من مضارّ كثيرة تركها في الجاهلية كثير من العرب، منهم العباس بن مرداس فقد قيل له: ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلى بيدي فأدخله في جوفى، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم وأمسى سفيههم.

وقد ألّفت الجماعات في أوربا وأمريكا للسعى في إبطال المسكرات، وحمل الدول على تشديد العقوبة على بائعى الخمور.

ولا تزال الأيام تظهر من مضارّ الخمر والميسر ما لم يكن معروفا من قبل، فيتجلى لنا صدق وصف الكتاب الكريم (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) ولكن الهوى وسلطان اللذة صرفا كثيرا من أدعياء المدنية عن النظر في هذه المضار، فأسرفوا في معاقرتها حتى غيض معين الشباب، وحرموا من سعادة الحياة، وحرمت منهم أمتهم وأهلوهم، وهم أحوج ما يرجون من ذكائهم ورجاحة عقولهم، وبدت فتنة السكر بين ذوى الثراء والجاه من المتعلمين، وانتقلت منهم العدوى إلى غيرهم من الفلاحين، والعمال والأجراء، وعم خطر هذه الآفة وتبعها انتشار الزنا بما له من مضارّ لا تحصى كداء الزهري والسيلان وغيرهما مما يوجب انقطاع النسل.

وإذا استمر انتشار الخمر والزنا في هذه البلاد ولا سيما الخمور التي تباع للفقراء فهي موادّ سامة محرقة (سبيرتو) يضاف إليها قليل من الماء والسكر، فليس بالبعيد أن تنقرض الأمة بعد جيلين أو أكثر كما انقرض هنود أمريكا، ولا يبقى منهم إلا بعض الأجراء والخدم، فالسكر والزنا مقراضان يقرضان الأمم قرضا.

وقد شاع حديثا في مصر ما هو أفتك بالأمة من الخمور وأقتل لها، وهو بعض السموم التي تستعمل حقنا تحت الجلد أو شمّا بالأنف كالمورفين والكوكايين والهرويين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت