وحكمة هذا الابتلاء أن يختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال وثباته حين النزال، ويبعد من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فطاعة الجيش لقائده من أهم أسباب الظفر، وأحوج القواد إلى ذلك من ولّى على قوم وهم له كارهون.
والخلاصة - أن مراتب الاختبار ثلاث:
(1) من يشرب فيروى ولا يبالى بمخالفة الأمر، وهذا يتبرّأ منه.
(2) من يأخذ بيده غرفة يبلّ بها ريقه، وهو مقبول على ما به من نقص في الجملة.
(3) من لا يذوق الماء أبدا، وهذا هو المولى والنصير الذي يوثق باتحاده ويعوّل على جهاده.
(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) لأنهم كانوا قد اعتادوا العصيان وفسد بأسهم وتزلزل إيمانهم، ولم يبق فيهم من أهل الإيمان والغيرة على الدين إلا النفر القليل.
والقليل من ذوى العزائم الصادقة والنفوس التي أشربت حب الإيمان وامتلأت غيرة عليه - يفعل ما لا يفعله الكثير من ذوى الأهواء المختلفة، والنزعات المتضاربة «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى» .
(قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) أي قال الذين يستيقنون بلقاء ربهم بالبعث، ويتوقعون ما عنده من الجزاء والثواب: كثيرا ما رأينا الجماعات القليلة غلبت الجماعات الكثيرة حين يكتب الله لهم الترفيق بمشبئته وقدرته، والله لا يذلّ من نصره وإن قلّ عدده، ولا يعزّ من خذله وإن كثرت آلاته وعدده وهذا دليل منهم على ثقتهم بنصر الله وتوفيقه.
(وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) فهو ينصرهم على عدوهم، ويثبتهم عند لقائه، وفي هذا حضّ على الصبر المؤدى إلى الغلبة، والثقة بالله عند الشدائد، ومدلهمات الحوادث، والرجوع إليه إذا فدح الخطب، وعظم الأمر، فهو القادر على النصر والتأييد لمن أخلص له من عباده.