فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 152

(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) أي واذكر وقت قول إبراهيم لربه، أرنى كيف يكون إحياء الموتى؟ وما وقع حينئذ من عجيب صنعه تعالى لتقف على هدايته تعالى للمؤمنين وولايته لهم.

وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات لأمرين:

(1) أن إيجاب ذكر الوقت يستلزم ذكر ما وقع فيه.

(2) أن ذكر الوقت يشتمل على ما فيه بالتفصيل، فإذا استحضر كان كل ما فيه حاضرا لا يشذ عنه شئ.

وصرح بذكر إبراهيم دون الذي مرّ على القرية، لأن في سؤاله من الأدب مع الله والثناء عليه ما ليس في سؤال ذاك، فالصورة في الأول صورة الإقرار مع طلب الزيادة في العلم، والصورة في الثاني صورة الإنكار.

وبدأ سؤاله بكلمة (رب) المفيدة لعنايته تعالى بعبيده، وتربيته لعقولهم وأرواحهم استعطافا وثناء على الله أمام الدعاء.

وخلاصة المعنى - يا رب أرنى بعيني كيفية إحيائك للموتى.

(قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى) أي قال: ألم تعلم ذلك وتؤمن بأنى قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألنى إراءته؟ قال بلى علمت ذلك وصدقت بالخبر، ولكن تاقت نفسى للخبر والوقوف على كيفية هذا السر ليطمئن قلبي بالعيان بعد خبر الوحي.

وفي قوله تعالى لإبراهيم: «أولم تؤمن» وهو العليم بإيمانه ويقينه - تنبيه وإرشاد إلى ما ينبغي أن يقف عنده الإنسان ولا يعدوه، فإن الإيمان بهذا السر الإلهي والتسليم فيه لخبر الوحي، هو غاية ما يطلب من البشر، ولو كان وراء ذلك سبيل آخر لبينه الله تعالى.

وفي إرشاد إبراهيم خليله تأديب لعامة المؤمنين، ومنع لهم عن التذكر في كيفية الخلق والتكوين، فإن هذا مما استأثر الله تعالى بعلمه.

وليس في سؤال إبراهيم ما يشعر بالشك، فالإنسان قد جبل على طلب المزيد في العلم والرغبة في الوقوف على أسرار الخليقة، وأكمل الناس علما أشدهم رغبة في طلب الوقوف على المجهولات.

فطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة بالبعث إذ قد عرفه بالوحي والدليل.

وإنا الآن لا نؤمن بأمور كثيرة إيمانا يقينيا ولا نعرف كيفيتها، ونودّ لو نعرفها، فهذا الأثير (التلغراف اللاسلكى) ينقل أخبار العالم في لحظة، ولا نعرف كيفية ذلك، بل أكثر من ذلك نقل الصور بالتلغراف من الأقطار النائية، والقارات البعيدة، ومثله أصوات المذياع (الراديو) التي تنشر في جميع أقطار العالم بكل اللغات، وتسمع في أرجاء المعمورة، ولا يعرف كثير من الناس كيف تصل إليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت