أي ولولا دفع الله أهل البغي والجور والشرور والآثام بأهل الإصلاح والخير، لغلب أهل الفساد وبغوا على الصالحين، وأوقعوا بهم وصار لهم السلطان في الأرض.
فكان من رحمة الله لعباده وفضله عليهم، أن أذن للمصلحين بقتال البغاة المفسدين وهو سبحانه جعل أهل الحق حربا لأهل الباطل، وهو ناصرهم ما نصروه وأصلحوا في الأرض.
وقد نسب عز اسمه الدفع إلى نفسه، لأنه سنة من سننه في المجتمع البشرى، وعليه بنى نظام هذا العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
(العبرة بهذه القصص)
(1) إن الأمم إذا سيمت الخسف تتنبه أفكارها إلى دفع الضيم، فتعلم أن لا سبيل إلى ذلك إلا بانضوائها تحت لواء زعيم عادل باسل كما وقع من بنى إسرائيل حين نكل بهم أهل فلسطين.
(2) إن أول من يشعر بالحاجة إلى ذلك هم خواصها وأشرافها كما حدث من الملأ من بنى إسرائيل، ثم تنتقل الفكرة من ذلك إلى عامتهم، حتى إذا وصلت إلى حيز العمل نكص ضعفاء العزائم على أعقابهم كما يدل عليه قوله: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» .
(3) إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الملك، ومن ثم لجأ الملأ من بنى إسرائيل إلى نبيهم ليختار لهم ملكا، وقد جاء الإسلام وجعل المرجح اختيار أرباب المكانة في الأمة، وهم أهل الحل والعقد، وعون الحاكم وقوته، لاحترام الأمة لهم وثقتها بهم.
(4) إن الأمم زمن الجهل ترى أن أحق الناس بالملك والزعامة هم أصحاب الجاه والثروة كما يدل على ذلك قول المنكرين لملك طالوت (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) مع أن الأجدر بهذا الاختيار أهل الشرف بمعارفهم وعلومهم وأخلاقهم الفاضلة، ونفوسهم الكريمة.
(5) إن الأمم إذا رقيت في علومها ومعارفها وحضارتها اختارت ملوكها من سلائل الملوك والأمراء، وحافظت على قوانين الوراثة، ولم يشذ عن ذلك إلا أصحاب الحكومات الجمهورية التي تختار رئيسها بالانتخاب.
(6) إن الظفر لا يتم للقائد إلا إذا أطاعه جنده في كل ما يأمر وينهى، وعلى هذا بنيت قوانين الجندية في العصر الحديث.
(7) إن الفئة القليلة قد تغلب الفئة الكثيرة إذا صبرت وثبتت وأطاعت رؤساءها والتجارب والمشاهدة تدل على صدق هذا.
(8) إن من سنن الله في خلقه دفع الناس بعضهم بعضا وهو المعبر عنه في العصر الحديث (بنظرية تنازع البقاء) ومن ثم قالوا إن الحرب طبيعية في البشر، إذ بها يبقى الأصلح والأمثل، وإلى هذا يشير سبحانه بقوله: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» أي إن سنة الله أن يقذف زبد الباطل الضار بالمجتمع ويمحوه من الوجود، ويبقى إبليز الحق النافع الذي ينمو فيه عمران العالم، ويحفظ به الخلق من أعاصير الظلم والفساد، حتى يتغلب الخير على الشر، والحق على الباطل، ولا يزال هذا سنة الوجود ما بقي الإنسان على ظهر البسيطة.