فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 152

أي أيّ جزء من أموالهم ينفقون، وأيّ جزء منها يمسكون، ليكونوا ممتثلين لقوله: «وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .

وقد أطلق القرآن العفو والزيادة ليقدّره كل قوم بحسب عصرهم، وما يليق بحالهم والمراد بهذا الإنفاق فيما زاد على الزكاة المفروضة من صدقات التطوع على الأفراد والمصالح العامة.

وقد قضت الحكمة بمجيء الإنفاق مطلقا أول الإسلام، وبمدح الإيثار على النفس، لأن المسلمين كانوا فئة قليلة بين أمم وشعوب تناصبهم العداوة وتبذل في سبيل ذلك الأموال والأرواح، فلا تستقيم لهم حال إذا لم يتّحدوا ويكونوا كرجل واحد ويجودوا بالمال لخدمة المصالح العامة.

وتلك سنة الله في كل دين حين بدأ ظهوره، حتى إذا ما اعتز وكثرت الأمة، وصار يكفى لمرافقها العامة ما يبذله كل ذى غنى من ماله - اختلفت الحال ودعا الأمر

إلى تقييد الإنفاق، ومن ثم سأل المسلمون ماذا ينفقون؟ فأجيبوا بأنهم ينفقون الفضل والزيادة على حاجة من يعولونهم.

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول»

والحكمة في الجمع بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق في آية واحدة - الموازنة بين حال فريقين من الناس: فريق ينفق المال بغير حساب في الإثم تفاخرا ومباهاة فيما لا خير فيه، أو لمجرد اللذة وإن ساءت العاقبة، وفريق ينفقه في سبيل الله يزيل به ضرورة إخوانه ذوى الحاجة، أو يرفع به شأن أمته بالإنفاق في مصالحها العامة وأعمال الخير فيها كالتعليم وإنشاء الملاجئ والمستشفيات.

فالأمة التي يكون أفرادها مليون نسمة إذا بذلوا في مصالحها العامة كتربية النشء وإعداد القوة الحربية ونحو ذلك مما يرقى شئونها - تكون أعز وأقوى من أمة عدّتها مائة مليون لا يبذلون شيئا من فضل أموالهم في مثل ذلك، فكل امريء من الأولى يكون كأمة، لأن أمته عون له، تعده جزءا منها ويعدها كلّا له، والأمة الثانية كلها لا تعدّ بواحد، لأن كل واحد منها يخذله الآخرون، ويرى أن حياته بموته، فيكون كل واحد منها في حكم الميت، ومثل هذا الجمع لا يسمى أمة، لأن كل واحد يعيش وحده وإن كان مع غيره على ظهر الأرض، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم، ويتعاون الجميع على حفظ الوحدة الجامعة لهم، وبها تتكون الأمة الناجحة في الحياة.

فالأمم لا تنهض إلا بمثل هذا التعاون ومساعدة الغنى للفقير وإعانة القوى للضعيف، وبهذا يظهر القليل على الكثير وتكون له السيادة.

ثم ذكر مننه على عباده ببيان هذه الأحكام فقال: (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي على هذا النحو من البيان قضت الحكمة بأن يبين لكم الأحكام التي فيها مصالحكم ومنافعكم، ويوجه عقولكم إلى ما فيها من منافع ومضارّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت