فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 152

والحكمة في تحديد هذه المدة في الرضاع العناية بشئون الطفل، فإن اللبن هو الغذاء الموافق له في هذه السن، إلى أنه محتاج إلى شفقة وعناية تامة لا تتوافران عند غير الأم، إلا إذا رأى الوالدان المصلحة في أقل من ذلك، فهما اللذان يراعيان صحة الطفل فمن الولدان من يستغنى عن اللبن بالطعام اللطيف قبل تمام الحولين.

وقد استنبط العلماء من هذه الآية ومن قوله: «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا» أقل مدة الحمل، فإنه إذا أسقطت مدة الرضاع من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر وهي أقل المدة.

وقد روى هذا عن على وابن عباس رضى الله عنهما.

(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي وعلى الوالد كفاية المرضع من طعام وكسوة لتقوم بخدمته حق القيام، وتحفظه من عاديات الأيام.

وإنما عبر بالمولود له، ولم يعبر بالوالد للإشارة إلى أن الأولاد لآبائهم، فإليهم ينسبون، وبهم يدعون، والأمهات مستودعات لهم كما قال المأمون:

لا تزرين بفتى من أن يكون له ... أمّ من الروم أو سوداء دهجاء

فإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللأبناء آباء

(فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما)

وإنما اعتبر رضا الأم مع أن وليّ الولد هو الأب وصلاحه منوط بنظره، مراعاة لمصلحة الطفل، إذ هي لكمال شفقتها عليه لا تفكر إلا فيما له فيه خير وفائدة.

وهأنت ذا ترى إرشاد القرآن إلى استعمال المشورة في أدنى الأعمال لتربية الولد، ولم يبح لأحد الوالدين الاستبداد بذلك دون الآخر - فما بالك بأجلّ الأعمال خطرا وأعظمها فائدة، فهل بعد هذا من شك في حاجة الملوك والأمراء إليها في تربية الأمم وتدبير شئونها؟ ومن ثم طلبها القرآن الكريم من الرسول صلوات الله عليه بقوله: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ومدح المؤمنين بقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت