وتبين أن العيب إنما هو في العبد لا في المال، فإن المال آلة كالسيف يقتل به الكافر جهادًا ويقتل المؤمن به فسادًا في الأرض وعنادًا.
وأغرب من ذلك أن الماء إذا كان جاريًا طاب، وإذا لبث أجن، وكذلك الدنيا، والمال إن جدت بالعطاء طاب ولم ينقطع، وإن حبست بالبخل أنتن.
وأغرب منها أن الماء إذا كان طاهرًا حلّ للشرب والطهارة، وإذا كان نجسًا فبالعكس منه، فكذلك المال إذا كان من حله طابت نفقته وقبلت صدقته، وإذا كان حرامًا فإنما يأكل في بطنه نارًا (1) ، وكان كما قال الأول:
كَمُطْعِمَةِ الرُّمَّانِ مِنْ كَسْب فرجها ... فَيَا لَيْتَ لَمْ تَزْنِ وَلَمْ تَصدقِ (2)
وإذا زدت في التمثيل واستوغلت مع أرباب الإشارة، وأخذت من أقوالهم ما يقرب قلت: إن الربيع إذا تَم نورت أشجاره، وظهرت أزهاره، وتهدّلت ثماره، واخضرّت رباعه، وتزينت بالنّبات وهاده وتلاعه، فلا بد أن تنزل بذلك كلّه آفة من غير ارتقاب، ويأتي عليها ما لم يكن في حساب، كذلك الدنيا، بينما المرء يكون فيها مقبلًا في شبابه بين أترابه، إذا به قد استلب من أثوابه، فإذا رآه المعتبر أنشد:
عَيْن أصَابَتْكَ إنَّ العَيْنَ صَائِبَة ... وَالعَيْنُ تسْرعُ أحْيَانًا إِلى الحُسْنِ (3)
(1) قارن بلطائف الإشارات: 3/ 89.
(2) مع شهرة هذا البيت فإنني لم أتمكن من معرفة قائله، أو موضعه في مصادر الأدب.
(3) هذا البيت أورده صاحب لطائف الإشارات 3/ 89 ولم ينسبه، مع اختلاف في قافية البيت حيث وردت عند القشيري .. والعَيْنُ تسرع أحيانًا إلى الحسد.