فتلك الشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين. فضرب الله المثل بسبعة لسبعة:
"الشجرة"للإيمان.
"وأصلها"للتوحيد.
"وثبوته"استقراره في القلب حتى لا تزعزعه رياح الشكوك، وترحضه أدناس الوساوس.
"وفرعها"العمل.
"وسماؤها"ظهور العمل.
"واعتلاؤه" {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (1) .
"وأُكلها": حلاوة الطاعة (2) .
وبقى مما لم يجر له ذكر في المثل، أوراق الشجر، ومثالها الأخلاق الجميلة للعبد، فإن الورق كما يستر الثمار ويحجبها عن الآفات حتى تتمكن من الطيب على قدر، كذلك الأخلاق الجميلة تحجب الأعمال الصالحة عن أسباب المعاصي.
وقيل أُكلها ثمرات الجنة، وهي لا مقطوعة ولا ممنوعة ولا ذات آفة.
ثم تركب عليه أيضًا وتقول: والشجرة لا بد لها من ماء يسقيها لتدوم نضارتها، وتزيد أجزاؤها، وغير ذلك من صفاتها، فتطلب له نظيرًا من الدين.
ثم تقول: وللشجرة آفات، فتعدد آفات الشجرة في أصلها وأغصانها وأوراقها وثمارها.
وتركب عليها نظيرًا من المعاصي بحسب قوتك في العلم ووعيك للمحفوظ، فإن اتفق عالم يجتمع له الحفظ والفهم، ركّب الدين كلّه على هذا المثل علمًا وعملًا.
وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه المثل بهذه الشجرة (3) فقال:"إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَة لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، مَثَلُهَا مَثَلُ المُؤْمِنِ، خَبِّرُونِي مَا هِيَ (4) ؟."
وذكر من التمثيل خصالًا، فإذا يسر الله للعالم الحفظ، رَكَّب أحوال المؤمن على أحوال الشجرة، ودعا متعلقاتها فجاء بجميعها، فتفطّنوا لضم هذا النشر فإنه يستغرق الأعمار لا أقول العمر.
(1) الآية: 10 من"فاطر".
(2) انظر ابن قيم الجوزية في"أمثال القرآن": 37 - 41.
(3) وهي النخلة.
(4) هذا جزء من حديث رواه -بألفاظ مختلفة- البخاري في العلم: 1/ 22، ومسلم في صفات المنافقين رقم: 2811، والترمذي في الأدب رقم 2471، والإمام أحمد في المسند: 2/ 31، 61، 157.