فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 251

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ...(275)}

المسألة الأولى:

هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يسترسلون على التصرف في الأموال برأيهم، ولا يقفون عند حدود الشرع.

فقال لي: هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يتصرفون في وجوه الاستدلال بعقولهم دون القانون.

فقلت له: لا أمنعك من هذا التأويل، ولا أبعده في طريق الدليل، وطال القول إلى أن كانت زبدته:

إنه لا بد من إثبات الشياطين (1) أولًا وجودًا، وإثبات أنهم أجسام متغذية، وأن الله ملكهم تيسير التصوير كما ملكنا تيسير الحركات، وأن الله يخلق عند كلامهم خواطر في قلوبنا، وأفعالًا في أبداننا، فيقع للمرء بذلك خبط، كما يلحق عند كلام العائن في البدن، ما يلفظ به المرء، وتنهدم به الدار، ويتبدد به المال، وعن هذه عَبَّرَ بقَوْلهِ صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ:"إِن الشَيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدمِ"، وكما يتصرف الدم فينا بالسريان، كذلك تتصرف ثمرة وسوسته فينا بالجريان، فيجري الدم فينا بحكم التغذية، ويجري الحكم المثمر للوسواس علينا بحكمة الله في المعصية.

ولما جهلت الفلاسفة هذا قالت:"إِن الصرع أخلاط تدور فيثور في البدن منها ما يثور"، وهذا كان جائزًا غير منكر عندنا، فكذلك قد بينا أن خلقًا حالهم ما وصفنا، يكون لهم فعل يترتب عليه حكم، وذلك جائز عقلًا، وله مثال من إصابة العين حسًا. وفيه بيان من الله ورسوله دليلًا، فلا يقدر ذو لُبٍّ على إنكاره.

فبهت حين سمع هذا، وانقاد بحزامة الدليل في أنف الأنفة إلى القبول.

وفي لقاء جبريل للنبي وإلقائه الوَحْي إليه شبه بين الوحي والوسواس، حتى قال الجاحدون:"هذا مجنون"، ولكن لما عرضت هذه الشبهة رفعها الله بأن كان جبريل يفارق النبي فيبقى بعده قويًا نشيطًا ضاحكًا نير الوجه كالبدر، صحيح القول، لا خلل في كلامه، ولا كسل في قيامه، ولا ألم في بدنه، والمجنون كاسف اللون، مختل القول، كسلان النفس، مريض البدن.

كذلك جعل العمل قسمين: منه ما يتأتى تكليفه، ومنه ما يعسر على جبلّة البشرية تعاطيه.

(1) انظر كلام ابن العربي حول إثبات وجود الشياطين في كتابه"القبس في شرح موطأ مالك بن أنس": 9 (25 جـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت