(ذكر حَقِيقَةِ المَثَل)
وهو باب من التأويل عظيم، وقانون إلى المعرفة مستقيم.
إن الله -سبحانه وله الحمد- لو شاء لَتجَلَّى لعباده حتى يعلموا حقيقة ذاته، ولكنه احتجب عنهم بعظمته وكبريائه، وعرفهم نفسه بالأدلة، ولو شاء أيضًا لجعل الأدلة بابًا واحدًا، حتى يصل الخلق إلى العلم به من طريق واحدة، ولكنه بحكمته نصبها جليّة وخفية حتى يَرْفَع اللهُ الذين آمَنُوا منكُمْ وَالذينَ أوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ، ويسفلَ المعرضينَ، وأهلَ الجهل درجَاتٍ، ليأخذ فريقًا حكمُ الهدى والنجاة، وآخرَ قضاء الضلال والهلكة، لتحق الكلمةُ، وتمتلئَ جهنمُ والجنة.
فمن خَفِيِّ أدلته ضربُ الأمثال، وهو سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
والمِثْلُ بكسر الميم وفتحها وإسكان الثاء وفتحها عند قوم بمعنى واحد، كقولهم: شِبْهٌ وَشَبَهٌ، وعند المحققين (1) : المِثْلُ بكسر الفاء وإسكان العين، عبارة عن شَبَهِ المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، فالإنسان مخالف للأسد في صورته، مشبه له في جرأته وحدته، فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة، وكذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته، والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته (2) . وأنتم عارفون بشبه المعاني، فلا معنى للإطناب معكم فيه، وإذا عرفتم هذه الحقيقة، فقد ضرب الله لنفسه الأمثال في مواضع كثيرة من كتابه في معاني توحيده وربانيته، قال:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله: تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] .
(1) النص التالي -إلى قوله ... عموم منفعه، نقله الزركشي في البرهان: 1/ 490.
(2) انظر: ابن سيده: المخصص: 12/ 153، ابن فارس: مقاييس اللغة 5/ 296.
(*) وللتوسع في معرفة آراء المؤلف في هذا الموضوع، انظر: قانون الأسكريال 32/ ب، العارضة: 15/ 295 (حيث أحال على قانون التأويل) ، العواصم: 365.