فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 251

(ذكر حكمة الأمثال)

ليس كل أحد يدرك حقيقة الأمثال، ولا ينال رتبة التشاكل والمثال على وجه تصديق الله لهذا المقال، كما أخبر وهو الكبير المتعال حين قال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .

ولا يصغي لها كل نفور القلب نكود الحال، والذي تضمّنت من الحكمة كثير، يكفيكم منها ظاهر واحد وباطن.

أما المعنى الظاهر فإن الفصاحة العربية والبلاغة السليقية، وهي التي يتميز بها القرآن، وَعَنْهَا وصلت المعاني إلى القلوب، فإن القول إذا كان بديع النظم حسن الرصف، ألوط بالنفس، وأسرع إلى القبول والفهم، وبهذا كانت العرب تتبالغ في خطابها، وتتبارى في كلامها، فجاءهم الله من ذلك بما لا طاقة لهم به وإن جرى في أساليبهم.

وأما الباطن فإن الله أراد أن يعلم الخلق كيف يتجاوزون في العبرة من المشاهدة إلى الغيب.

وزعمت طائفة من الصوفية أن الباري إنما ضرب الأمثال في المنام لانتقاش العلوم في اللوح المحفوظ دون الكشف الصريح"والناسُ نِيَامٌ، فَإذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا" (1) فتظهر لهم عند الموت حقائق كانت عندهم مشروحة بالمثال (2) ، وهذه نزعة فلسفية، وأغراض عن الحق قصيّة، بل نحن الآن في حقائق واضحة، وأمور عبرت عنها عبارات لائحة، وقد بينا فساد هذا الغرض (3) .

(1) قال ابن العربي في العواصم: 16 معلقًا على هذا الأثر:"وهذا الحديث ليس له أصل في الدين، ولا يدخل في منزلة من منازل السقيم"، وقال في موضع آخر: 17"وليس بخبر، وإنما هو مثل ضربه بعض الحكماء لِيُظْهِرُوا بذلك فضل الآخرة على الدنيا". وقال السخاوي في"المقاصد الحسنة": 442"إنه من قول عَلِي"وقال شيخنا الألباني في"الأحاديث الضعيفة": 1/ 137 رقم: 102:"لا أصل له"انظر: الزرقاني: مختصر المقاصد الحسنة: 205، ملا علي القاري: المصنوع في الحديث الموضوع: 199، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: 367، ابن الديبع: تمييز الطيب من الخبيث: 177، العجلوني: كشف الخفاء: 2/ 312.

(2) عبارة الغزالي في هذا المقام هي كالتالي:"إن النائم لم ينكشف له الغيب من اللوح المحفوظ إلا بالمثال دون الكشف الصريح، وذلك يعرفه من يعرف العلاقة الخفية التي بين عالم الملك والملكوت، ثم إذا عرفت ذلك، عرفت أنك في هذا العالم نائم وإن كنت مستقيظًا، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فينكشف لهم عند الانتباه بالموت حقائق ما سمعوه بالمثال ..."جواهر القرآن: 31.

(3) في العواصم: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت