(فصل: في ذكر وجه الشبه القادحة في التأويل، وطريق الخلاص منه بهداية الدليل)
قد قدمنا أن العقول لا تستقل بدرك العلوم حتى يَصْطَفِيَ الله من خلقه من يلقي إليه ما يَقْصُرُ العقل عن دركه، لكنه إذا عرضه عليه كالرجل ينسى الآية أو المسألة أو الشخص فإذا قرئت عليه أو ذكرت له أو رآه عرفه.
ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل، فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي (1) ؟ هذا محال عقلًا، وعلى هذا الأصل انبنت مسائل
= بعد، فإن الداخل في طلب العلم كثير، والسعيد قليل، وعدم الإنصاف بخطب جليل، وكم من حاضر بعرفة من غير معرفة، ونازل بمنى وما نال منى، وكم قارئ في بغداد خرج وما ظفر بزاد ... جميعهم يأمل الغاية وما حصل عليها، ويقصد النهاية وما انتهى إليها، فقد خلع ثياب الوطن، واستظهر على الغربة، واستوطن يجتهد بزعمه وهو لا يعلم كيف؟ ولا أين؟ يرجع بعد طول المغيب بخُفَّي حُنَيْن"."
قلت: والمثل:"رَجَعَ فُلَان مِنْ حَاجَتِهِ بخُفي حُنَيْنٍ"أورده القاسم بن سلام في"كتاب الأمثال": 245، والعسكري في"جمهرة الأمثال 1/ 433، والبكري في فصل المقال": 354.
(1) للتوسع في معرفة آراء المؤلف في هذا الموضوع الخطير، انظر: المتوسط 11، سراج المريدين: 45/ أ، المسالك في شرح موطأ مالك: 2، وينبغي التنبيه على أن الجويني قد سبق ابن العربي في تأصيل هذه القواعد العقدية وذلك في كتابه الإرشاد: 358 - 360، وكذلك الغزالي في رسالة"قانون التأويل" (ط: الكوثري) وقد بينا في دراستنا التمهيدية لهذا المخطوط الرأي الحق في مثل هذه القضايا، فانظره لزامًا.