(لا يعطف الخبر على الاستفهام)
265 -على أن في هذا أمر آخر، وهو أن قوله: {أَنُؤْمنُ} استفهام، لا يُعْطَفُ الخبرُ على الاستفهام.
فإِن قلت: هَلْ كان يجوزُ أن يُعْطَف قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على"قالوا"من قولِه: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} لا على ما بعد، وكذلك كان يعفل في {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} ، و {إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} ، وكان يكونُ نظيرَ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} وذلك أن قوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا} معطوف، من غير شك، على"قالوا"دون ما بعده؟
قيل: إن حكم العطف على"قالوا"فيما نحنُ فيه، مخالفٌ لحكمه في الآية التي كذرت. وذلك أن"قالوا"ههنا جوابُ شرطٍ، فلو عُطِف قولُه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} عليه، لَلزِمَ إدخالُه في حُكْمِه مِنْ كونه جوابًا، وذلك لا يصح.
بيان العطف على جواب الشرط:
وذاك أنه متى عُطِف على جوابِ الشرطِ شيءٌ"بالواو"كان ذلك على ضربينِ: أحدُهما: أن يكونا شيئين يتصوَّرُ وجودُ كلِّ واحدٍ منهما دُونَ الآخر، ومثالُه قولكَ"إن تأتِني أكرمك أعطك وأكسك"والثاني: أن يكون المعطوفُ شيئًا لا يكونُ حتى يكونَ المعطوفُ عليه، ويكونَ الشرطُ لذلك سببًا فيه بوساطةِ كونه سببًا للأول، ومثالُه قولُك:"إذا رجَع الأَميرُ إلى الدار استأذنتهُ وخرجتُ"، فالخروجُ لا يكونُ حتى يكون الاستئذانُ، وقد صارَ"الرجوعُ"سَببًا في الخروج، من أجلِ كونِه سببًا في الاستئذان، فيكونُ المعنى في مثلِ هذا على كلامين، نحوُ:"إذا رجَع الأميرُ استأذنتُ، وإذا استأذنت خرجتُ".