فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 111

إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)

"إنما"إذا جاءت للتعريض بأمر هو مقتضى الكلام، ومثاله في الشعر:

-ثم اعلمْ أَنك إِذا استقريْتَ وجدْتَها أقوى ما تكونُ وأعْلَقَ ما ترى بالقلب، إِذا كان لا يُراد بالكلامِ بعدَها نفْسُ معناه، ولكنَّ التعريضَ بأمرٍ هو مُقْتضاه، نحوُ أنَّا نعلمُ أَنْ ليس الغَرضُ مِن قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}

أنْ يَعلَم السَّامِعُون ظاهرَ معناه، ولكنْ أن يُذَمَّ الكفَّارُ، وأنْ يُقالَ إِنهم مِنْ فرطِ العِنادِ ومِنْ غلبةِ الهوى عليهم، في حُكْم مَنْ ليس بذي عقْلٍ، وإِنكم إنْ طمِعْتُم منهم في أنْ يَنْظروا ويَتذكَّروا، كنتُم كمَنْ طمِعَ في ذلك مِنْ غيرِ أُولي الألباب. وكذلك قولُه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} ، وقولُه عَزَّ اسْمُه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ِالْغَيْبِ} ، المعنى على أنَّ مَن لم تكنْ له هذه الخَشْيةُ، فهو كأنهُ ليس له أُذُنٌ تَسمَعُ وقلْبٌ يَعْقِلُ، فالإنذارُ معه كَلاَ إِنذارٌ.

-ومثال ذلك في الشعر قوله:

أَنا لَمْ أُرْزَقْ محبَّتَها ... إِنَّما لِلْعبدِ ما رُزقا

الغرضُ أن يُفْهِمَك مِن طريقِ التعريضِ أنه قد صار يَنْصَحُ نفسَه، ويَعلَمُ أنه يَنْبغي له أن يقْطَع الطمَعَ من وصلِها، ويَيْأَسَ من أن يكونَ منها إسعافٌ.

ومن ذلك قوله:

وإِنَّما يَعْذِرُ العشَّاقَ مَنْ عَشِقا

يقولُ: إِنَّه ليس يَنْبغي للعاشقِ أن يلومَ من يَلُومُهُ في عِشْقه، وأنه ينبغي أنْ لا يُنْكَر ذلك منه، فإِنه لا يَعْلَمُ كنْهَ البلوَى في العِشْقِ، ولو كان ابْتُليَ به لعرَفَ ما هو فيه فعذره.

ثم إنَّ العجَبَ في أنَّ هذا التعريضَ الذي ذكرتُ لكَ، لا يَحصُلُ من دُونِ"إِنما". فلو قلتَ:"يتذكَّرُ أُولو الألباب"، لم يدل ما دَلَّ عليه في الآية، وإنْ كان الكلامُ لم يتغيرْ في نفسِه، وليس إلاَّ أنهن ليس فيه"إِنما".

والسببُ في ذلك أنَّ هذا التعريضَ، إِنما وقعَ بأنْ كان مِنْ شأنِ"إِنَّما"أنْ تُضَمِّنَ الكلامَ معنى النفْي مِنْ بَعْد الإثباتِ، والتصريحِ بامتناعِ التذكُّر ممَّن لا يَعْقِل.

وإِذا أُسِقطتْ من الكلامِ فقيلَ:"يتذكر أولوا الألباب"، كان مجرد صفٍ لأُولي الألبابِ بأنهم يتذكَّرونَ، ولم يكنْ فيه معنى نفْي للتذكُّر عمَّنْ ليس منهم. ومُحالٌ أن يقَعَ تعريضٌ لشيءٍ ليس له في الكلام ذِكْرٌ، ولا فيه دليلٌ عليه. فالتعريضُ بمثلُ هذا أعني بأن تقول:"يتذكَّر أولو الألباب"بإسقاط"إنما"، يقع إذنْ إنْ وَقَعَ، بمَدْح إنسانٍ بالتيقُّظ، وبأنه فعلَ ما فعلَ، وتنبَّه لِمَا تنبَّه له، لعَقْله وحلسن تمييزه، كما يقال:"كذلك يفعل العاقل"، و"هكذا يفعل الكريم".

وهذا موضع يه دقةٌ وغموضٌ، وهو ممَّا لا يكادُ يقع في نفسه أحد أنه ينبغي أن يتعرض سبببه، ويَبْحثَ عن حقيقة الأمرِ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت